إعلام الموقعين

يجب على المفتي أن يجيبه عنها. وقد كان السلف الطيب إذا سئل أحدهم عن مسألة يقول للسائل: هل كانت أو وقعت؟ فإن قال: لا، لم يجبه، وقال: دعنا في عافية١. وهذا لأن الفتوى بالرأي لا تجوز إلا عند الضرورة، فالضرورة تبيحه كما تبيح الميتةَ عند الاضطرار. وهذا إنما هو في مسألة لا نصّ فيها ولا إجماع، فإن كان فيها [١٨٦/ب] نص أو إجماع فعليه تبليغه بحسب الإمكان. فمن سُئل عن علمٍ فكتَمه ألجمَه الله يوم القيامة بلجام من نار٢. هذا إذا أمن المفتي غائلة الفتوى؛ فإن لم يأمن غائلتها، وخاف من ترتُّب شرٍّ أكبر من الإمساك عنها، أمسك عنها ترجيحًا لدفع أعلى المفسدتين باحتمال أدناهما.

وقد أمسك النبيُّ ﷺ عن نقض الكعبة وإعادتها على قواعد إبراهيم، لأجل حِدْثانِ عهدِ قريش بالإسلام٣، وأنَّ ذلك ربما نفَّرهم عنه بعد الدخول فيه.

وكذلك إن كان عقل السائل لا يحتمل الجوابَ عما سأل عنه، وخاف المسؤول أن يكون فتنةً له، أمسك عن جوابه. قال ابن عباس ﵄ لرجل

  1. (١) انظر ما يأتي في الفائدة الثامنة والثلاثين.
  2. (٢) يشير إلى الحديث المروي عن أبي هريرة وغيره. رواه عن أبي هريرة أحمد (٧٥٧١، ومواضع أخرى)، وأبو داود (٣٦٥٨)، والترمذي (٢٦٤٩) وحسنه، وابن ماجه (٢٦٦). صححه ابن حبان (٩٥) والحاكم (١/ ١٠١). وهو عند الحاكم (١/ ١٠٢) وغيره عن ابن عمرو أيضًا، وعند ابن ماجه عن أنس (٢٦٤) وأبي سعيد (٢٦٥)، وعند الطبراني من حديث ابن عباس (١١/ ٥، ١٤٥) وابن عمرو (١٣/ ٢٠، ١٤/ ٣٢) وابن مسعود (١٠/ ١٠٢، ١٢٨). «المقاصد الحسنة» (١١٣٥).
  3. (٣) كما جاء في حديث عائشة الذي رواه البخاري (١٥٨٣) ومسلم (١٣٣٣).
4

سأله عن تفسير آية: وما يؤمِنُك أني لو أخبرتُك بتفسيرها كفرتَ به؟١، أي جحدتَه، وأنكرته، وكفرت به. ولم يرد أنك تكفر بالله ورسوله.

الفائدة الثانية: يجوز للمفتي أن يعدِل عن جواب المستفتي عما سأله عنه إلى ما هو أنفع له منه، ولا سيما إذا تضمَّن ذلك بيانَ ما سأل عنه؛ وذلك من كمال علم المفتي وفقهه ونصحه. وقد قال تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢١٥]. فسألوه عن المنفق، فأجابهم بذكر المصرف، إذ هو أهمُّ مما سألوا عنه. ونبَّههم عليه بالسياق، مع ذكره لهم في موضع آخر، وهو قوله تعالى: ﴿قُلِ الْعَفْوَ﴾ [البقرة: ٢١٩] وهو ما سهل عليهم إنفاقه، ولا يضرُّهم إخراجه.

وقد ظنَّ بعضهم أن من ذلك قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٨٩]. فسألوه عن سبب ظهور الهلال خفيًّا، ثم لا يزال يتزايد فيه النور على التدريج حتى يكمل، ثم يأخذ في النقصان. فأجابهم عن حكمة ذلك من ظهور مواقيت الناس التي بها تمامُ مصالحهم في أحوالهم ومعاشهم ومواقيت أكبر عباداتهم٢ وهو الحج. فإن كانوا قد سألوا عن السبب، فقد أجيبوا بما هو أنفع لهم مما سألوا عنه. وإن كانوا إنما

  1. (١) نقله المؤلف في «روضة المحبين» (ص ٤٢٦) أيضًا. وقد رواه ابن جرير في تفسيره (٢٣/ ٧٨). وعزاه السيوطي في «الدر المنثور» (٨/ ٢١٠) إلى عبد بن حميد وابن الضريس أيضًا. انظر: «فضائل القرآن» لابن الضريس (ص ٢٦).
  2. (٢) في المطبوع: «أكبر عبادة من عباداتهم»، وفي الطبعات السابقة: «أكبر عبادتهم».
5

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي