وقال تعالى: ﴿يَادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ﴾[ص: ٢٦]. فقسَّم سبحانه طريقَ الحكم بين الناس إلى الحقِّ وهو الوحي الذي أنزله الله على رسوله١، وإلى الهوى وهو ما خالفه.
وقال تعالى لنبيِّه: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ ١٨ إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ﴾[الجاثية: ١٨ - ١٩]. فقسَّم الأمر بين الشريعة التي جعله هو٢ سبحانه عليها، وأوحى إليه العملَ بها، وأمَر الأمَّة [٢٥/ب] بها؛ وبين اتباع أهواء الذين لا يعلمون. فأمر بالأول، ونهى عن الثاني.
وقال تعالى: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾[الأعراف: ٣]. فأمَر باتباع المُنْزَل منه خاصَّة، وأعلَمَ أنَّ من اتبع غيرَه فقد اتبع من دونه أولياء٣.
(٣) انظر نحوه في "الرسالة التبوكية" (ص ٥١)، وسيستدل بالآية أكثر من مرة في هذا الكتاب.
طاعة الرسول تجب استقلالًا من غير عرضِ ما يأمر١ به على الكتاب. بل إذا أمَر وجبت طاعته مطلقًا، سواء كان ما أمر به في الكتاب أو لم يكن فيه، فإنه أُوتي الكتابَ ومثلَه معه. ولم يأمر بطاعة أولي الأمر استقلالًا، بل حذَف الفعلَ، وجعَل طاعتهم في ضمن طاعة الرسول إيذانًا بأنهم إنما يطاعون تبعًا لطاعة الرسول٢. فمَن أمر منهم بطاعة الرسول وجبت طاعته. ومَن أمر منهم بخلاف ما جاء به الرسول، فلا سمعَ له ولا طاعة، كما صحَّ عنه ﷺ أنه قال: "لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق"٣، وقال: "إنما الطاعة في المعروف"٤، وقال في ولاة الأمور: "من أمركم منهم بمعصية الله فلا سمع له ولا طاعة"٥.
(١) في النسخ المطبوعة: "أمر".
(٢) انظر مثل هذا الكلام في "الرسالة التبوكية" (ص ٤٣ - ٤٤).
(٣) رواه البزار (١٩٨٨) من حديث ابن مسعود بسند ضعيف. ورواه الطبراني (١٨/ ١٧٠) بسند ضعيف عن الحسن، عن عمران بن حصين مرفوعا، والمحفوظ عن الحسن روايتُه الحديثَ مرسلا، كما رواه من طريقه ابن أبي شيبة (٣٤٤٠٦)، والخلال في "السنة" (٥٨). وله طريق أخرى عن عمران مرفوعا عند الحسن بن أحمد المخلدي في "الفوائد المنتخبة" (١٢٥)، وأبي سعيد النقاش في "ثلاثة مجالس من أماليه" (١١)، والقضاعي في "مسند الشهاب" (٨٧٣). ورواه البغوي في "شرح السنة" (٢٤٥٥) من حديث النواس بن سمعان مرفوعا، وسنده ضعيف. وللحديث طرقٌ وشواهدُ كثيرة تدلّ على صحة معناه ليس هذا مجال سردها.
(٤) جزء من حديث علي بن أبي طالب، أخرجه البخاري (٤٣٤٠) ومسلم (١٨٤٠) ..
(٥) رواه بمعناه أحمد (١١٦٣٩)، وابن ماجه (٢٨٦٣)، وابن خزيمة في "السياسة" [من صحيحه] (كما في "إتحاف المهرة" ٥/ ٣٧٣)، وابن حبان (٤١٨٥)، والحاكم (كما في "إتحاف المهرة")، وصحّحه أيضا البوصيري في "مصباح الزجاجة" (٣/ ١٧٦)، والسند حسن إن شاء الله، وله شواهد في الصحيحين وغيرهما.