ومن هذا: قوله ﷺ: «لا تُنكَح المرأة على عمَّتها، ولا على خالتها؛ فإنكم إذا فعلتم ذلك قطعتم أرحامكم»١. فذكر لهم الحكم، ونبَّههم على علة التحريم.
ومن ذلك قوله لأبي النعمان بن بشير وقد خصَّ بعض ولده بغلامٍ نحَلَه إياه، فقال: «أيسرُّك أن يكونوا لك في البِرِّ سواء؟» قال: نعم. قال: «فاتقوا الله واعدِلوا بين أولادكم». وفي لفظ: «إن هذا لا يصلح». وفي لفظ: «إني لا أشهد على جَور». وفي لفظ: «أشهِدْ على هذا غيري» تهديدًا، لا إذنًا، فإنه لا يأذن في الجَور قطعًا. وفي لفظ: «رُدَّه»٢. والمقصود أنه نبَّه٣ على علّة الحكم.
ومن هذا: قوله ﷺ لرافع بن خَديج، وقد قال له: إنَّا لاقو العدوِّ غدًا، [١٨٨/أ] وليس معنا مُدًى، أفنذبح بالقَصَب؟ فقال: «ما أنهرَ الدمَ وذُكِر اسمُ الله عليه فكُلْ، ليس السنَّ والظُّفرَ. وسأحدِّثك عن ذلك، أما السنُّ فعَظْم، وأما الظُّفر فمُدَى الحبشة»٤. فنبَّه على علَّة المنع من التذكية بهما، بكون أحدهما عظمًا؛ وهذا تنبيه على عدم التذكية بالعظام، إما لنجاسة بعضها، وإما لتنجيسه على مؤمني الجن؛ ولكون الآخر مُدَى الحبشة، ففي التذكية بها تشبُّهٌ بالكفار.
(١) تقدم تخريجه.
(٢) تقدَّم تخريج الحديث. وقد استقصى المصنف ألفاظ الحديث وتكلَّم على المسألة في «تهذيب السنن» (٢/ ٥٤٥ - ٥٤٨)، و«تحفة المودود» (ص ٣٣٤ - ٣٣٦).
(٣) في النسخ المطبوعة: «نبَّهه».
(٤) رواه البخاري (٢٤٨٨) ومسلم (١٩٦٨).
ومن ذلك: قوله: «إن الله ورسوله ينهيانكم عن لحوم الحمُر الإنسية، فإنها رجس»١.
ومن ذلك: قوله في الثمرة تصيبها الجائحة: «أرأيتَ إن منع الله الثمرةَ، فبِمَ يأكل أحدُكم مالَ أخيه بغير حَقٍّ؟»٢. وهذا التعليل بعينه ينطبق على من استأجر أرضًا للزراعة، فأصابت٣ الزرعَ آفة سماوية لفظًا ومعنًى، فيقال للمؤجِّر: أرأيت إن منع الله الزرعَ فبِمَ تأكل مالَ أخيك بغير حقٍّ؟ وهذا هو الصواب الذي ندين الله به في المسألة، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية٤.
والمقصود أن الشارع مع كون قوله حجةً بنفسه يُرشد الأمةَ إلى علل الأحكام ومداركها وحِكَمها، فورَثته من بعده كذلك.
ومن ذلك: نهيُه عن الخَذْف٥ وقال: «إنه يفقأ العينَ، ويكسِرُ السِّنَّ»٦.
ومن ذلك: إفتاؤه للعاضِّ يدَ غيره بإهدار دية ثنيته لما سقطت بانتزاع المعضوض يدَه مِن فيه. ونبَّه على العلة بقوله: «أيدَعُ يدَه في فيك تقضَمُها
(١) تقدَّم غير مرة.
(٢) تقدَّم أيضًا.
(٣) في النسخ المطبوعة: «فأصاب».
(٤) انظر: «مجموع الفتاوى» (٣٠/ ٢٤٤).
(٥) هو رميك بحصاة أو نواة ونحوهما تجعلها بين سبَّابتيك أو الإبهام والسبابة.
(٦) رواه البخاري (٦٢٢٠) ومسلم (١٩٥٤) من حديث عبد الله بن مغفل.