إعلام الموقعين

ومن ذلك: قوله: «إن الله ورسوله ينهيانكم عن لحوم الحمُر الإنسية، فإنها رجس»١.

ومن ذلك: قوله في الثمرة تصيبها الجائحة: «أرأيتَ إن منع الله الثمرةَ، فبِمَ يأكل أحدُكم مالَ أخيه بغير حَقٍّ؟»٢. وهذا التعليل بعينه ينطبق على من استأجر أرضًا للزراعة، فأصابت٣ الزرعَ آفة سماوية لفظًا ومعنًى، فيقال للمؤجِّر: أرأيت إن منع الله الزرعَ فبِمَ تأكل مالَ أخيك بغير حقٍّ؟ وهذا هو الصواب الذي ندين الله به في المسألة، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية٤.

والمقصود أن الشارع مع كون قوله حجةً بنفسه يُرشد الأمةَ إلى علل الأحكام ومداركها وحِكَمها، فورَثته من بعده كذلك.

ومن ذلك: نهيُه عن الخَذْف٥ وقال: «إنه يفقأ العينَ، ويكسِرُ السِّنَّ»٦.

ومن ذلك: إفتاؤه للعاضِّ يدَ غيره بإهدار دية ثنيته لما سقطت بانتزاع المعضوض يدَه مِن فيه. ونبَّه على العلة بقوله: «أيدَعُ يدَه في فيك تقضَمُها

  1. (١) تقدَّم غير مرة.
  2. (٢) تقدَّم أيضًا.
  3. (٣) في النسخ المطبوعة: «فأصاب».
  4. (٤) انظر: «مجموع الفتاوى» (٣٠/ ٢٤٤).
  5. (٥) هو رميك بحصاة أو نواة ونحوهما تجعلها بين سبَّابتيك أو الإبهام والسبابة.
  6. (٦) رواه البخاري (٦٢٢٠) ومسلم (١٩٥٤) من حديث عبد الله بن مغفل.
13

كما يقضَمُ الفحلُ». وهذا من أحسن التعليل وأبينه، فإن العاضَّ لما صال على المعضوض جاز له أن يرُدَّ صياله عنه بانتزاع يده من فمه. فإذا أدىَّ ذلك إلى إسقاط ثناياه كان سقوطُها بفعلٍ مأذونٍ فيه من الشارع، فلا يقابَل بالدية.

وهذا كثير جدًّا في السنَّة١. فينبغي للمفتي أن ينبِّه السائلَ على علة الحكم ومأخذه إن عرف ذلك، وإلا حرم عليه أن يفتي بلا علم.

وكذلك أحكام القرآن، يرشد سبحانه فيها إلى مداركها وعللها، كقوله: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ [البقرة: ٢٢٢] فأمر سبحانه نبيَّه أن يذكر لهم علّةَ الحكم قبل الحكم.

وكذلك قوله: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ﴾ [الحشر: ٧].

وكذلك قوله: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [المائدة: ٣٨].

وقال في جزاء الصيد: ﴿لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ﴾ [المائدة: ٩٥].

الفائدة السابعة: إذا كان الحكمُ مستغربًا جدًّا مما لم تألفه النفوس وإنما ألِفَتْ خلافه، فينبغي للمفتي أن يوطِّئ قبله ما يكون مُؤْذِنًا به٢ كالدليل عليه والمقدِّمة بين يديه. فتأمَّلْ ذكرَه سبحانه قصةَ زكريا وإخراجَ الولد منه بعد

  1. (١) وقد ذكر المصنف أحاديث أخرى في (١/ ٣٩٢ وما بعدها).
  2. (٢) أثبت في المطبوع: «ما كان مأذونًا به»، ولا معنى له.
14

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي