إعلام الموقعين

كما يقضَمُ الفحلُ». وهذا من أحسن التعليل وأبينه، فإن العاضَّ لما صال على المعضوض جاز له أن يرُدَّ صياله عنه بانتزاع يده من فمه. فإذا أدىَّ ذلك إلى إسقاط ثناياه كان سقوطُها بفعلٍ مأذونٍ فيه من الشارع، فلا يقابَل بالدية.

وهذا كثير جدًّا في السنَّة١. فينبغي للمفتي أن ينبِّه السائلَ على علة الحكم ومأخذه إن عرف ذلك، وإلا حرم عليه أن يفتي بلا علم.

وكذلك أحكام القرآن، يرشد سبحانه فيها إلى مداركها وعللها، كقوله: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ [البقرة: ٢٢٢] فأمر سبحانه نبيَّه أن يذكر لهم علّةَ الحكم قبل الحكم.

وكذلك قوله: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ﴾ [الحشر: ٧].

وكذلك قوله: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [المائدة: ٣٨].

وقال في جزاء الصيد: ﴿لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ﴾ [المائدة: ٩٥].

الفائدة السابعة: إذا كان الحكمُ مستغربًا جدًّا مما لم تألفه النفوس وإنما ألِفَتْ خلافه، فينبغي للمفتي أن يوطِّئ قبله ما يكون مُؤْذِنًا به٢ كالدليل عليه والمقدِّمة بين يديه. فتأمَّلْ ذكرَه سبحانه قصةَ زكريا وإخراجَ الولد منه بعد

  1. (١) وقد ذكر المصنف أحاديث أخرى في (١/ ٣٩٢ وما بعدها).
  2. (٢) أثبت في المطبوع: «ما كان مأذونًا به»، ولا معنى له.
14

انصرام عصر الشبيبة وبلوغه السنَّ الذي لا يولد١ لمثله في العادة. فذكر٢ قصته مقدمةً بين يدي قصة المسيح ووِلادِه٣ من غير أب؛ فإن النفوس لما أنِسَت٤ بولدٍ من [١٨٨/ب] بين شيخين كبيرين لا يُولد لهما عادةً سهُل عليها التصديقُ بولادة ولدٍ من غير أب. وكذلك ذكر سبحانه قبل قصة المسيح موافاةَ مريم رزقَها في غير وقته وغير إبّانه. وهذا الذي شجَّع نفسَ زكريا وحرَّكها لطلب الولد، وإن كان في غير إبَّانه.

وتأمَّلْ قصةَ نسخ القبلة، لمَّا كانت شديدةً على النفوس جدًّا كيف وطَّأ سبحانه قبلها عدةَ موطِّئات:

منها: ذكر النسخ.

ومنها: أنه يأتي بخير من المنسوخ أو مثله.

ومنها: أنه على كلِّ شيء قدير، وأنه بكلِّ شيء عليم؛ فعمومُ قدرته وعلمه صالحٌ لهذا الأمر الثاني كما كان صالحًا للأول.

ومنها: تحذيرهم الاعتراضَ على رسولهم٥، كما اعترض مَن قبلهم على موسى، بل أمرَهم بالتسليم والانقياد.

  1. (١) بعده في النسخ المطبوعة: «فيه» بين معقوفين في بعضها.
  2. (٢) ز، ك: «فيذكر».
  3. (٣) الوِلاد مصدر كالولادة. وفي النسخ المطبوعة: «ولادته».
  4. (٤) ضبط في النسخ المطبوعة: «آنست» من الإيناس، والصواب ما أثبت.
  5. (٥) في النسخ المطبوعة: «رسوله».
15

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي