إعلام الموقعين

انصرام عصر الشبيبة وبلوغه السنَّ الذي لا يولد١ لمثله في العادة. فذكر٢ قصته مقدمةً بين يدي قصة المسيح ووِلادِه٣ من غير أب؛ فإن النفوس لما أنِسَت٤ بولدٍ من [١٨٨/ب] بين شيخين كبيرين لا يُولد لهما عادةً سهُل عليها التصديقُ بولادة ولدٍ من غير أب. وكذلك ذكر سبحانه قبل قصة المسيح موافاةَ مريم رزقَها في غير وقته وغير إبّانه. وهذا الذي شجَّع نفسَ زكريا وحرَّكها لطلب الولد، وإن كان في غير إبَّانه.

وتأمَّلْ قصةَ نسخ القبلة، لمَّا كانت شديدةً على النفوس جدًّا كيف وطَّأ سبحانه قبلها عدةَ موطِّئات:

منها: ذكر النسخ.

ومنها: أنه يأتي بخير من المنسوخ أو مثله.

ومنها: أنه على كلِّ شيء قدير، وأنه بكلِّ شيء عليم؛ فعمومُ قدرته وعلمه صالحٌ لهذا الأمر الثاني كما كان صالحًا للأول.

ومنها: تحذيرهم الاعتراضَ على رسولهم٥، كما اعترض مَن قبلهم على موسى، بل أمرَهم بالتسليم والانقياد.

  1. (١) بعده في النسخ المطبوعة: «فيه» بين معقوفين في بعضها.
  2. (٢) ز، ك: «فيذكر».
  3. (٣) الوِلاد مصدر كالولادة. وفي النسخ المطبوعة: «ولادته».
  4. (٤) ضبط في النسخ المطبوعة: «آنست» من الإيناس، والصواب ما أثبت.
  5. (٥) في النسخ المطبوعة: «رسوله».
15

ومنها: تحذيرهم الإصغاءَ١ إلى اليهود، وأن لا تستخفَّهم شُبَهُهم، فإنهم يودُّون أن يردُّوهم كفارًا من بعد ما تبيَّن لهم الحق.

ومنها: إخباره أن دخول الجنة ليس بالتهوُّد ولا بالتنصُّر، وإنما هو بإسلام الوجه والقصد والعمل والنية٢ لله، مع متابعة أمره.

ومنها: إخباره سبحانه عن سعته، وأنه حيث ولَّى المصلِّي وجهَه فثَمَّ وجهُه تعالى، فإنه واسع عليم، فذكر الإحاطتين الذاتية والعلمية، فلا يتوهَّمون أنهم في القبلة الأولى لم يكونوا مستقبلين وجهَه ﵎، ولا في الثانية، بل حيثما توجَّهوا فثمَّ وجهُه تعالى.

ومنها: أنه ﷾ حذَّر نبيَّه ﷺ عن اتباع أهواء الكفار من أهل الكتاب وغيرهم، بل أمر أن يتبع هو وأمته ما أوحي إليه، فيستقبلونه بقلوبهم وحده.

ومنها: أنه ذكر عظمةَ بيته الحرام، وعظمةَ بانيه وملَّته، وسفَّه مَن يرغب عنها، وأمَر باتباعها، فنوَّه بالبيت وبانيه وملته. وكلُّ هذا توطئة بين يدي التحويل، مع ما في ضمنه من المقاصد الجليلة والمطالب السنيَّة.

ثم ذكر فضل هذه الأمة، وأنهم الأمة الوسط العدل الخيار، فاقتضى ذلك أن يكون نبيُّهم ﷺ أوسطَ الأنبياء وخيارَهم. وكتابهم كذلك، ودينهم كذلك، وقبلتهم التي يستقبلونها كذلك. فظهرت المناسبة شرعًا وقدرًا في أحكامه

  1. (١) في النسخ: «بالإصغاء»، ولعله سبق قلم. وكذا في الطبعات القديمة. وأثبت في المطبوع: «من الإصغاء». وقد سبق آنفًا: «تحذيرهم الاعتراضَ» فعدَّاه بنفسه.
  2. (٢) ك، ب: «والنية والعمل».
16

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي