ومنها: تحذيرهم الإصغاءَ١ إلى اليهود، وأن لا تستخفَّهم شُبَهُهم، فإنهم يودُّون أن يردُّوهم كفارًا من بعد ما تبيَّن لهم الحق.
ومنها: إخباره أن دخول الجنة ليس بالتهوُّد ولا بالتنصُّر، وإنما هو بإسلام الوجه والقصد والعمل والنية٢ لله، مع متابعة أمره.
ومنها: إخباره سبحانه عن سعته، وأنه حيث ولَّى المصلِّي وجهَه فثَمَّ وجهُه تعالى، فإنه واسع عليم، فذكر الإحاطتين الذاتية والعلمية، فلا يتوهَّمون أنهم في القبلة الأولى لم يكونوا مستقبلين وجهَه ﵎، ولا في الثانية، بل حيثما توجَّهوا فثمَّ وجهُه تعالى.
ومنها: أنه ﷾ حذَّر نبيَّه ﷺ عن اتباع أهواء الكفار من أهل الكتاب وغيرهم، بل أمر أن يتبع هو وأمته ما أوحي إليه، فيستقبلونه بقلوبهم وحده.
ومنها: أنه ذكر عظمةَ بيته الحرام، وعظمةَ بانيه وملَّته، وسفَّه مَن يرغب عنها، وأمَر باتباعها، فنوَّه بالبيت وبانيه وملته. وكلُّ هذا توطئة بين يدي التحويل، مع ما في ضمنه من المقاصد الجليلة والمطالب السنيَّة.
ثم ذكر فضل هذه الأمة، وأنهم الأمة الوسط العدل الخيار، فاقتضى ذلك أن يكون نبيُّهم ﷺ أوسطَ الأنبياء وخيارَهم. وكتابهم كذلك، ودينهم كذلك، وقبلتهم التي يستقبلونها كذلك. فظهرت المناسبة شرعًا وقدرًا في أحكامه
(١) في النسخ: «بالإصغاء»، ولعله سبق قلم. وكذا في الطبعات القديمة. وأثبت في المطبوع: «من الإصغاء». وقد سبق آنفًا: «تحذيرهم الاعتراضَ» فعدَّاه بنفسه.
والمقصود: أن المفتي جدير بأن٢ يذكر بين يدي الحكم الغريب الذي لم يُؤلَف مقدماتٍ تُؤنس به، وتدلّ عليه، وتكون توطئةً بين يديه. وبالله التوفيق.
الفائدة الثامنة: يجوز للمفتي والمناظِر أن يحلِف على ثبوت الحكم عنده، وإن لم يكن حَلِفُه موجِبًا لثبوته عند السائل والمنازع؛ ليشعر السائل والمنازع له أنه على ثقة ويقين مما قال٣، وأنه غيرُ شاكٍّ فيه. فقد تناظر رجلان في مسألة، فحلَف أحدُهما على ما يعتقده، فقال له منازعه: لا يثبت الحكمُ بحلفك، فقال: إني لم أحلف لأُثبِت٤ الحكمَ عندك، ولكن لأعلمك أني على يقين وبصيرة من قولي، وأن شبهتك لا تُغبِّر٥ عندي في وجه يقيني بما أنا جازم به.
وقد أمر الله [١٨٩/أ] نبيَّه ﷺ أن يحلف على ثبوت الحق الذي جاء به