والمقصود: أن المفتي جدير بأن٢ يذكر بين يدي الحكم الغريب الذي لم يُؤلَف مقدماتٍ تُؤنس به، وتدلّ عليه، وتكون توطئةً بين يديه. وبالله التوفيق.
الفائدة الثامنة: يجوز للمفتي والمناظِر أن يحلِف على ثبوت الحكم عنده، وإن لم يكن حَلِفُه موجِبًا لثبوته عند السائل والمنازع؛ ليشعر السائل والمنازع له أنه على ثقة ويقين مما قال٣، وأنه غيرُ شاكٍّ فيه. فقد تناظر رجلان في مسألة، فحلَف أحدُهما على ما يعتقده، فقال له منازعه: لا يثبت الحكمُ بحلفك، فقال: إني لم أحلف لأُثبِت٤ الحكمَ عندك، ولكن لأعلمك أني على يقين وبصيرة من قولي، وأن شبهتك لا تُغبِّر٥ عندي في وجه يقيني بما أنا جازم به.
وقد أمر الله [١٨٩/أ] نبيَّه ﷺ أن يحلف على ثبوت الحق الذي جاء به
وقد أقسم النبيُّ ﷺ على ما أخبر به من الحقِّ في أكثر من ثمانين موضعًا٣، وهي موجودة في الصحاح والمساند٤. وقد كان الصحابة ﵃ يحلفون على الفتاوى والرواية، فقال علي بن أبي طالب لابن عباس في متعة النساء: إنك امرؤ تائه، فانظر ما تفتي به في متعة النساء، فوالله وأشهد٥ بالله لقد نهى عنها رسولُ الله ﷺ٦.
ولما ولي عمر ﵁ حمد الله وأثنى عليه، ثم قال: يا أيها الناس إنَّ رسولَ الله ﷺ أحلَّ المتعةَ ثلاثًا، ثم حرَّمها ثلاثًا. فأنا أُقسم بالله قسمًا، لا أجد أحدًا من المسلمين متمتِّعًا إلا رجمتُه، إلا أن يأتي بأربعة من المسلمين
(١) في النسخ: «ثلاث».
(٢) في النسخ المطبوعة زيادة: ﴿عَالِمِ الْغَيْبِ﴾.
(٣) ومثله في «زاد المعاد» (١/ ١٥٦) و(٣/ ٢٦٩).
(٤) في النسخ المطبوعة: «المسانيد».
(٥) في مصدر النقل: «أو أشهد»، يعني: أو قال: أشهد بالله.
(٦) نقله ابن أبي يعلى في كتابه «المسائل التي حلف عليها أحمد بن حنبل» (ص ٨٢) من كتاب ابن بطة في تحريم نكاح المتعة.