وقال الفضل أيضًا: سمعتُ أبا عبد الله وذكر يحيى بن سعيد القطان، فقال: لا والله، ما أدركنا مثلَه١.
وذكر أحمد في «رسالته إلى مسدَّد»: ولا عين تطرِف بعد النبي ﷺ خيرٌ٢ من أبي بكر، ولا بعد أبي بكر عين تطرف خيرٌ من عمر، ولا بعد عمر عين تطرف خيرٌ من عثمان، ولا بعد عثمان عين تطرف خيرٌ من علي بن أبي طالب ﵁. ثم قال أحمد: هم والله الخلفاء الراشدون المهديون٣.
وقال الميموني: قلت لأحمد: جابر الجعفي؟ قال: كان يرى التشيع. قلت: يتهم٤ في حديثه بالكذب؟ قال: إي والله٥.
قال القاضي٦: فإن قيل: كيف استجاز الإمام أحمد أن يحلف في مسائل مختلَفٍ فيها؟ قيل: أما مسائل الأصول فلا يسوغ فيها اختلاف فهي إجماع، وأما الفروع فإنه لما غلب على ظنه صحةُ ذلك حلف عليه، كما لو وجد في دفتر أبيه أنَّ له على فلان دينًا جاز له أن يدَّعيه، لغلبة الظن بصدقه. قلت٧: ويحلفَ عليه.
(١) «المسائل» (ص ٧٢)، و«طبقات الحنابلة» (٢/ ١٩٣).
(٢) في النسخ: «نظرت بعد ... خيرًا» هنا وفيما يأتي. والتصحيح من مصدر النقل وغيره.
(٤) في النسخ المطبوعة: «قد يتهم». والمثبت من النسخ موافق لما في مصدر النقل.
(٥) «المسائل» (ص ٧٤).
(٦) هو ابن أبي يعلى جامع المسائل المذكورة (ص ٨٩ - ٩٠).
(٧) القائل ابن القيم.
قال: فإن قيل أليس قد امتنع من اليمين على إسقاط الشفعة بالجوار، قيل: لأن اليمين هناك عند الحاكم، والنية نية الخصم١.
قلت: ولم يمنع أحمد اليمين لهذا، بل شفعة الجوار عنده مما يسوغ القول بها. وفيها أحاديث صحاح لا تُرَدّ، ولهذا اختلف قوله فيها، فمرةً نفاها، ومرةً أثبتها، ومرةً فصَل بين أن يشتركا في حقوق الملك كالطريق والماء وغيره، وبين أن لا يشتركا في شيء من ذلك فلا يثبت. وهذا هو الصواب الذي لا ريب فيه، وبه تجتمع الأحاديث. وهو اختيار شيخ الإسلام ومذهب فقهاء البصرة٢، ولا يُختار٣ غيرُه.
وقد روى أحمد عن جماعة من الصحابة والتابعين أنهم حلفوا في الرواية والفتوى وغيرها تحقيقًا وتأكيدًا للخبر، لا إثباتًا له باليمين٤.
وقد قال تعالى: ﴿فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ﴾[الذاريات: ٢٣]. وقال تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ الآية [النساء: ٦٥].