قال: فإن قيل أليس قد امتنع من اليمين على إسقاط الشفعة بالجوار، قيل: لأن اليمين هناك عند الحاكم، والنية نية الخصم١.
قلت: ولم يمنع أحمد اليمين لهذا، بل شفعة الجوار عنده مما يسوغ القول بها. وفيها أحاديث صحاح لا تُرَدّ، ولهذا اختلف قوله فيها، فمرةً نفاها، ومرةً أثبتها، ومرةً فصَل بين أن يشتركا في حقوق الملك كالطريق والماء وغيره، وبين أن لا يشتركا في شيء من ذلك فلا يثبت. وهذا هو الصواب الذي لا ريب فيه، وبه تجتمع الأحاديث. وهو اختيار شيخ الإسلام ومذهب فقهاء البصرة٢، ولا يُختار٣ غيرُه.
وقد روى أحمد عن جماعة من الصحابة والتابعين أنهم حلفوا في الرواية والفتوى وغيرها تحقيقًا وتأكيدًا للخبر، لا إثباتًا له باليمين٤.
وقد قال تعالى: ﴿فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ﴾[الذاريات: ٢٣]. وقال تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ الآية [النساء: ٦٥].
(٢) انظر ما تقدم في المجلد الثاني والمجلد الثالث من هذا الكتاب.
(٣) ب: «نختار»، وكذا في المطبوع. ولم ينقط في (ز، ك). وفي الطبعات السابقة كما أثبت.
(٤) انظر: «المسائل» (ص ٩١، ٩٧).
﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾[ق: ١]، ﴿ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾[ص: ١]. وأما إقسامه بمخلوقاته التي هي آيات دالَّة عليه [١٩٠/ب] فكثيرٌ جدًّا.
الفائدة التاسعة: ينبغي للمفتي أن يفتي بلفظ النصِّ مهما أمكنه، فإنه يتضمَّن الحكم والدليل مع البيان التام، فهو حكم مضمون له الصواب، متضمِّن للدليل عليه في أحسن بيان، وقولُ الفقيه المعيَّن ليس كذلك.
وقد كان الصحابة والتابعون والأئمة الذين سلكوا على منهاجهم يتحرَّون ذلك غاية التحرِّي، حتى خلفت من بعدهم خلوفٌ رغبوا عن النصوص، واشتقُّوا لهم ألفاظًا غير ألفاظ النصوص؛ فأوجب ذلك هجرَ النصوص، ومعلومٌ أن تلك الألفاظ لا تفي بما تفي به النصوص من الحكم والدليل وحسن البيان. فتولَّد من هجرانِ ألفاظ النصوص، والإقبالِ على الألفاظ الحادثة، وتعليقِ الأحكام بها= على الأمة من الفساد ما لا يعلمه إلا الله.
فألفاظ النصوص عصمة وحجة بريئة من الخطأ والتناقض والتعقيد والاضطراب. ولما كانت هي عصمة الصحابة١ وأصولهم التي إليها يرجعون كانت علومهم أصحَّ من علوم مَن بعدهم، وخطؤهم فيما اختلفوا فيه أقلُّ من خطأ مَن بعدهم. ثم التابعون بالنسبة إلى من بعدهم كذلك، وهلمَّ جرًّا. ولما استحكم هجرانُ النصوص عند أكثر أهل الأهواء والبدع كانت علومُهم في مسائلهم وأدلّتهم في غاية الفساد والاضطراب والتناقض.
(١) في النسخ المطبوعة: «عصمة عهدة الصحابة»، وكلمة «عهدة» مقحمة لا معنى لها هنا.