﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾[ق: ١]، ﴿ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾[ص: ١]. وأما إقسامه بمخلوقاته التي هي آيات دالَّة عليه [١٩٠/ب] فكثيرٌ جدًّا.
الفائدة التاسعة: ينبغي للمفتي أن يفتي بلفظ النصِّ مهما أمكنه، فإنه يتضمَّن الحكم والدليل مع البيان التام، فهو حكم مضمون له الصواب، متضمِّن للدليل عليه في أحسن بيان، وقولُ الفقيه المعيَّن ليس كذلك.
وقد كان الصحابة والتابعون والأئمة الذين سلكوا على منهاجهم يتحرَّون ذلك غاية التحرِّي، حتى خلفت من بعدهم خلوفٌ رغبوا عن النصوص، واشتقُّوا لهم ألفاظًا غير ألفاظ النصوص؛ فأوجب ذلك هجرَ النصوص، ومعلومٌ أن تلك الألفاظ لا تفي بما تفي به النصوص من الحكم والدليل وحسن البيان. فتولَّد من هجرانِ ألفاظ النصوص، والإقبالِ على الألفاظ الحادثة، وتعليقِ الأحكام بها= على الأمة من الفساد ما لا يعلمه إلا الله.
فألفاظ النصوص عصمة وحجة بريئة من الخطأ والتناقض والتعقيد والاضطراب. ولما كانت هي عصمة الصحابة١ وأصولهم التي إليها يرجعون كانت علومهم أصحَّ من علوم مَن بعدهم، وخطؤهم فيما اختلفوا فيه أقلُّ من خطأ مَن بعدهم. ثم التابعون بالنسبة إلى من بعدهم كذلك، وهلمَّ جرًّا. ولما استحكم هجرانُ النصوص عند أكثر أهل الأهواء والبدع كانت علومُهم في مسائلهم وأدلّتهم في غاية الفساد والاضطراب والتناقض.
(١) في النسخ المطبوعة: «عصمة عهدة الصحابة»، وكلمة «عهدة» مقحمة لا معنى لها هنا.
وقد كان أصحاب رسول الله ﷺ إذا سئلوا عن مسألة يقولون: قال الله كذا، قال رسول الله ﷺ كذا وفعل كذا؛ ولا يعدِلون عن ذلك ما وجدوا إليه سبيلًا قطُّ١، فمن تأمَّل أجوبتهم وجدها شفاءً لما في الصدور. فلما طال العهد وبعُد الناس من نور النبوة صار هذا عيبًا عند المتأخرين: أن يذكروا في أصول دينهم وفروعه: قال الله، وقال رسوله٢.
أما أصول دينهم، فصرَّحوا في كتبهم أن قول الله ورسوله لا يفيد اليقين في مسائل أصول الدين، وإنما يحتجُّ بكلام الله ورسوله فيها الحشويةُ والمجسِّمة والمشبِّهة٣. وأما فروعهم، فقنعوا بتقليد من اختصر لهم بعضَ المختصرات التي لا يُذكَر فيها نصٌّ عن الله، ولا عن رسوله٤، ولا عن الإمام الذي زعموا أنهم قلَّدوه دينهم. بل عمدتُهم فيما يُفتون ويقضُون به، وينقلون به الحقوق، ويبيحون به الفروج والدماء والأموال، على قول ذلك المصنِّف. وأجلُّهم عند نفسه وزعيمُهم عند بني جنسه مَن يستحضر لفظ الكتاب، ويقول: هكذا قال، وهذا لفظه. فالحلال ما أحلَّه ذلك الكتاب، والحرام ما حرَّمه، والواجب ما أوجَبه، والباطل ما أبطَله، والصحيح ما صحَّحه!
هذا، وأنَّى لنا بهؤلاء في مثل هذه الأزمان! فقد دُفِعنا إلى أمرٍ تضِجُّ منه الحقوقُ إلى الله ضجيجًا، وتعِجُّ منه الفروجُ والأموال والدماء إلى ربِّها
(١) «قطُّ» خاص بالزمان الماضي. وقد سبق نحوه في كلام المؤلف.
(٢) في النسخ المطبوعة: «رسول الله».
(٣) انظر كلامهم والردّ عليه في «الصواعق المرسلة» (٢/ ٦٣٢) وغيره.