إعلام الموقعين

عجيجًا، تُبدَّل فيه الأحكام، ويُقلَب الحلالُ بالحرام١، ويُجعل فيه المعروفُ في أعلى٢ مراتب المنكرات، والمنكرُ الذي لم يشرعه الله ورسوله من أفضل القرُبات. الحقُّ فيه غريب، وأغرَبُ منه من يعرفه! وأغرَبُ منهما من يدعو إليه، وينصح به نفسَه [١٩١/أ] والناسَ! قد فلَق له٣ فالقُ الإصباح صبحَه عن غياهب الظلمات، وأبان له٤ طريقَه المستقيم من بين تلك الطرق الجائرات، وأراه بعين قلبه ما كان عليه رسولُ الله ﷺ وأصحابه، مع ما عليه أكثرُ الخلق من البدع المضلَّات. رُفِع له علَمُ الهداية فشمَّر إليه، ووضَح له الصراطُ المستقيمُ فقام واستقام عليه. وطوبى له من وحيدٍ على كثرة السكان، غريبٍ على كثرة الجيران، بين أقوامٍ رؤيتُهم قذى العيون، وشجى الحلوق، وكربُ النفوس، وحُمَّى الأرواح، وغمُّ الصدور، ومرضُ القلوب.

وإن أنصفتَهم لم تقبل طبيعتهم الإنصاف، وإن طلبتَه منهم فأين الثريَّا من يد الملتمس! قد انتكست قلوبُهم، وعمي عليهم مطلوبُهم. رضُوا بالأماني، وابتلُوا بالحظوظ، وحصلوا على الحرمان، وخاضوا بحار العلم لكن بالدعاوي الباطلة وشقاشق الهذَيان! ولا والله ما ابتلَّت من وَشَلِه٥

  1. (١) في المطبوع: «فيه الحلال بالحرام»، وفي الطبعات السابقة: «فيه الحلال والحرام».
  2. (٢) في النسخ المطبوعة: «فيه المعروف أعلى».
  3. (٣) يعني: لهذا الداعي إلى الحق، الناصح نفسَه والناسَ. وفي النسخ المطبوعة: «بهم»، وهو خطأ.
  4. (٤) في المطبوع: «لهم»، وهو ساقط من الطبعات السابقة.
  5. (٥) الوشل: الماء القليل.
32

أقدامُهم، ولا زكت به عقولُهم وأحلامُهم، ولا ابيضَّت به لياليهم وأشرقت بنوره أيامُهم، ولا ضحكت بالهدى والحقِّ منه وجوهُ الدفاتر إذ بُلَّت بمداده أقلامُهم. أنفقوا في غير شيءٍ نفائسَ الأنفاس، وأتعبوا أنفسَهم وحيَّروا مَن خلفهم من الناس. ضيَّعوا الأصول، فحُرِموا الوصول. وأعرضوا عن الرسالة، فوقعوا في مهامه١ الحيرة وبيداء الضلالة.

والمقصود: أن العصمة مضمونة في ألفاظ النصوص ومعانيها في أتمِّ بيان وأحسن تفسير. ومن رام إدراكَ الهدى ودين الحق من غير مشكاتها فهو عليه عسيرٌ غيرُ يسير.

فصل

الفائدة العاشرة: ينبغي للمفتي الموفَّق إذا نزلت به المسألة أن ينبعث من قلبه الافتقارُ الحقيقي الحالي، لا العلمي المجرَّد، إلى مُلهِم الصواب، ومعلِّم الخير، وهادي القلوب=أن يُلهِمه الصوابَ، ويفتح له طريقَ السَّداد، ويدلَّه على حكمه الذي شرعه لعباده في هذه المسألة. فمتى قرَع هذا البابَ فقد قرَع بابَ التوفيق. وما أجدَرَ مِن فضلِ ربِّه٢ أن لا يَحْرمه إياه. فإذا وجَد مِن قلبه٣ هذه الهمّةَ، فهي طلائعُ بشرى التوفيق، فعليه أن يوجِّه وجهَه ويحدِّق نظرَه إلى منبع الهدى، ومعدن الصواب، ومطلع الرشد؛ وهو النصوص من القرآن والسنة وآثار الصحابة= فيستفرغَ وسعَه في تعرُّف حكم تلك النازلة منها. فإن ظفِر بذلك أخبر به، وإن اشتبه عليه بادر إلى التوبة والاستغفار والإكثار من ذكر الله.

  1. (١) في المطبوع: «نهاية»، تحريف.
  2. (٢) في النسخ المطبوعة: «أمَّل فضلَ ربِّه»، وكأنَّ بعضهم أنكر السياق فزاد لفظ «أمَّل»!
  3. (٣) في المطبوع: «قبله»، والذي غيَّره صواب محض.
33

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي