إعلام الموقعين

فإن العلم نورُ الله، يقذفه الله١ في قلب عبده. والهوى والمعصية رياح عاصفة تطفئ ذلك النور أو تكاد، ولا بد أن تُضْعِفه.

وشهدتُ شيخَ الإسلام ــ قدَّس الله روحه ــ إذا غشِيَتْه٢ المسائل واستعصَتْ عليه فرَّ منها إلى الاستغفار والتوبة والاستعانة٣ بالله، واللَّجَأ إليه، واستنزالِ الصواب من عنده، والاستفتاحِ من خزائن رحمته. فقلما يلبث المدد الإلهي أن يتتابع٤ عليه مدًّا، وتزدلف الفتوحات الإلهية إليه٥ بأيتهن يبدأ. ولا ريب أن من وُفِّق لهذا الافتقار علمًا وحالًا، وسار قلبُه في [١٩١/ب] ميادينه حقيقةً وقصدًا؛ فقد أُعطي حظَّه من التوفيق، ومَن حُرِمَه فقد مُنِعَ الطريقَ والرفيق. فمتى أُعِينَ مع هذا الافتقار ببذل الجهد في درك الحقِّ فقد سُلِكَ به الصراط المستقيم. وذلك فضل الله، يؤتيه من يشاء، والله ذو الفضل العظيم.

الفائدة الحادية عشرة٦: إذا نزلت بالمفتي أو الحاكم٧ النازلةُ، فإما أن يكون عالمًا بالحقِّ فيها، أو غالبًا على ظنِّه بحيث قد استفرغ وسعَه في

  1. (١) لم يرد لفظ الجلالة في النسخ المطبوعة.
  2. (٢) في النسخ المطبوعة: «أعيته».
  3. (٣) في النسخ المطبوعة: «التوبة والاستغفار والاستغاثة».
  4. (٤) ك: «يتابع» بإهمال حرف المضارع.
  5. (٥) «إليه» ساقط من ك.
  6. (٦) في النسخ الثلاث: «الحادية عشر» إلى «التاسعة عشر» بتذكير «عشر». ولا يبعد أن يكون السهو قد وقع في أصل المؤلف، كما في مسودة «طريق الهجرتين» (٢/ ٨٢٩).
  7. (٧) في المطبوع: «بالحاكم أو المفتي». وفي الطبعات السابقة كما أثبت من النسخ.
34

طلبه ومعرفته، أو لا. فإن لم يكن عالمًا بالحقِّ فيها ولا غلب على ظنِّه لم يحِلَّ له أن يفتي، ولا يقضي بما لا يعلم. ومتى أقدم على ذلك فقد تعرَّض لعقوبة الله، ودخل تحت قوله: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٣]، فجعل القولَ عليه بلا علمٍ أعظمَ المحرَّمات الأربع التي لا تباح بحال، ولهذا حصر التحريم فيها بصيغة الحصر. ودخل تحت قوله تعالى: ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ ١٦٨ إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٦٨ - ١٦٩]. ودخل في قول النبي ﷺ: «من أُفتِيَ بغير علمٍ فإنما إثمُه على من أفتاه»١، وكان أحد القضاة الثلاثة الذين ثلثاهم في النار.

وإن كان قد عرف الحقَّ في المسألة علمًا أو ظنًّا غالبًا لم يحِلَّ له أن يفتي ولا يقضي بغيره بالإجماع المعلوم بالضرورة من دين الإسلام. وهو أحد القضاة الثلاثة، والمفتين الثلاثة، والشهود الثلاثة. وإذا كان من أفتى أو حكَم أو شهِد بغير علم مرتكبًا لأعظم الكبائر، فكيف بمن٢ أفتى أو حكم أو شهد بما يعلم خلافه؟

فالحاكم والمفتي والشاهد كلٌّ منهم مخبِرٌ عن حكم الله. فالحاكم مخبِر منفِّذ، والمفتي مخبر غير منفِّذ، والشاهد مخبر عن الحكم الكوني القدري المطابق للحكم الديني الأمري. فمن أخبر منهم عما يعلم خلافه

  1. (١) تقدم تخريجه في أول الكتاب.
  2. (٢) في النسخ المطبوعة: «من».
35

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي