وهؤلاء١ الآيات وإن كانت في حقِّ المشركين والكفار، فإنها متناولة لمن كذَب على الله في توحيده ودينه، وأسمائه وصفاته وأفعاله. [١٩٢/أ] ولا تتناول المخطئَ المأجورَ إذا بذلَ اجتهادَه٢ واستفرغ وسعَه في إصابة حكم الله وشرعه، فإن هذا هو الذي فرضه الله عليه، فلا يتناول المطيعَ لله وإن أخطأ. وبالله التوفيق.
الفائدة الثانية عشرة: حكمُ الله ورسوله يظهر على أربعة ألسنة: لسان الراوي، ولسان المفتي، ولسان الحاكم، ولسان الشاهد. فالراوي يظهر على لسانه لفظُ حكم الله ورسوله، والمفتي يظهر على لسانه معناه وما استنبطه من لفظه، والحاكمُ يظهر على لسانه الإخبارُ بحكمه٣ وتنفيذُه، والشاهدُ يظهر على لسانه الإخبارُ بالسبب الذي يثبت حكمَ الشارع.
والواجب على هؤلاء الأربعة أن يخبروا بالصدق المستند إلى العلم، فيكونون عالمين بما يخبرون به، صادقين في الإخبار به. وآفة أحدهم الكذب والكتمان، فمتى كتَم الحقَّ أو كذَب فيه فقد حادَّ٤ الله سبحانه في شرعه ودينه. وقد أجرى الله سنته بالمَحْقِ٥ عليه بركةَ علمه ودينه ودنياه إذا فعل ذلك، كما أجرى عادته سبحانه في المتبايعَين إذا كتما وكذبا أن يمحق
(١) في النسخ المطبوعة: «وهذه». ولفظ «الآيات» بعد «هؤلاء» ساقط من (ك، ب).
(٢) في النسخ المطبوعة: «جهده».
(٣) في النسخ المطبوعة: «بحكم الله».
(٤) كذا ورد في ز مضبوطًا بتشديد الدال. وفي المطبوع: «خان».
(٥) في حاشية ب: «بأن يمحق» مع علامة «ظ»، وفي النسخ المطبوعة: «أن يمحق». وما أثبت من النسخ الخطية صواب محض.
بركةَ بيعهما. ومن التزم الصدقَ والبيانَ منهم في مرتبته بورك له في علمه ووقته ودينه ودنياه، وكان مع النبيين والصدّيقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقًا. ذلك الفضل من الله، وكفى بالله عليمًا. فبالكتمان يعزل الحقَّ عن سلطانه، وبالكذب يقلبه عن وجهه، والجزاء من جنس العمل؛ فجزاءُ أحدهم أن يعزله الله عن سلطان المهابة والكرامة والمحبة والتعظيم الذي يُلبِسُه أهلَ الصدق والبيان، ويُلبِسَه ثوبَ الهوان والمقت والخزي بين عباده. فإذا كان يومُ اللقاء١ جازى الله سبحانه من يشاء من الكاذبين الكاتمين بطمس الوجوه وردِّها على أدبارها، كما طمسوا وجهَ الحقِّ، وقلبوه عن وجهه، جزاءً وفاقًا ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾[فصلت: ٤٦].
الفائدة الثالثة عشرة: لا يجوز للمفتي أن يشهد على الله ورسوله بأنه أحلَّ كذا أو حرَّمه أو أوجبه أو أحبَّه٢ أو كرهه إلا لما يعلم أن الأمر فيه كذلك، مما نصَّ الله ورسوله على إباحته أو تحريمه أو إيجابه أو كراهته. وأما ما وجده في كتابه الذي تلقَّاه عمن قلَّده دينَه، فليس له أن يشهد على الله ورسوله به، ويغُرَّ الناس بذلك، ولا علمَ له بحكم الله ورسوله.
قال غير واحد من السلف: ليحذَر أحدكم أن يقول: أحلَّ الله كذا، أو حرَّم٣ كذا، فيقول الله له: كذبتَ، لم أُحِلَّ كذا، ولم أُحرِّمه٤.
(١) في النسخ المطبوعة: «القيامة». وكان في ك: «القيامة اللقاء»، ثم ضرب على «القيامة».