وثبت في «صحيح مسلم»١ من حديث بُريدة بن الحُصَيب أن رسول الله ﷺ قال: «وإذا حاصرتَ حصنًا فسألوك أن تُنْزِلَهم على حكم الله ورسوله، فلا تُنْزِلْهم على حكم الله ورسوله، فإنك لا تدري أتصيب حكمَ الله فيهم أم لا؛ ولكن أَنزِلْهم على حكمك وحكم أصحابك».
وسمعت شيخ الإسلام يقول: حضرت مجلسًا فيه القضاة وغيرهم، فجرت حكومةٌ حكمَ فيها أحدهم بقول زفر. فقلت له: ما هذه الحكومة؟ فقال [١٩٢/ب]: هذا حكمُ الله. فقلت له: صار قولُ زفر هو حكم الله الذي حكم به وألزم به٢ الأمة؟ قل: هذا حكمُ زفر وقوله٣، لا تقل: هذا حكمُ الله. أو نحو هذا من الكلام.
الفائدة الرابعة عشرة: المفتي إذا سئل عن مسألة فإما أن يكون قصدُ السائل فيها معرفةَ ما٤ حكَم الله به ورسولُه٥ ليس إلا، وإما أن يكون قصدُه معرفةَ ما قاله الإمام الذي شهَر المفتي نفسَه باتباعه وتقليده دون غيره من الأئمة، وإما أن يكون مقصوده معرفةَ ما ترجَّح عند ذلك المفتي وما يعتقده فيها؛ لاعتقاده علمه ودينه وأمانته٦، فهو يرضى بتقليده٧ هو،
(١) برقم (١٧٣١).
(٢) ك: «وألزبه».
(٣) «وقوله» ساقط من النسخ المطبوعة، وفيها بعد ذلك: «ولا تقل» بالواو.
(٤) «ما» من ك، ب.
(٥) في النسخ المطبوعة: «معرفة حكم الله ورسوله».
(٦) في المطبوع: «ودينه وإمامته».
(٧) في النسخ المطبوعة: «تقليده».
وليس له غرضٌ في قول إمام بعينه. فهذه أجناس الفتيا التي ترِد على المفتين.
ففرضُ المفتي في القسم الأول أن يجيب بحكم الله ورسوله إذا عرفه وتيقَّنه، لا يسعُه غير ذلك. وأما في القسم الثاني، فإذا عرف قولَ الإمام نفسِه وسِعَه أن يخبر به. ولا يحِلُّ له أن ينسب إليه القولَ ويُطلق عليه أنه قولُه بمجرَّد ما يراه في بعض الكتب التي حفظها أو طالعها من كلام المنتسبين إليه، فإنه قد اختلطت أقوال الأئمة وفتاويهم بأقوال المنتسبين إليهم واختياراتهم. فليس كلُّ ما في كتبهم منصوصًا عن الأئمة، بل كثيرٌ منه يخالف نصوصهم، وكثيرٌ منه لا نصَّ لهم فيه، وكثير منه مخرَّجٌ١ على فتاويهم٢، وكثير منه أفتوا به بلفظه أو بمعناه. فلا يحِلُّ لأحد أن يقول: «هذا قول فلان ومذهبه» إلا أن يعلم يقينًا أنه قوله ومذهبه، فما أعظم خطر المفتي وأصعب مقامه بين يدي الله سبحانه!
وأما القسم الثالث، فإنه يسعه أن يخبر المستفتي بما عنده في ذلك، وما٣ يغلب على ظنه أنه الصواب، بعد بذل جهده واستفراغ وسعه. ومع هذا فلا يلزم المستفتي الأخذُ بقوله، وغايته أنه يسوغ له الأخذُ به.
فليُنزل المفتي نفسَه في منزلة من هذه المنازل الثلاث، وليقم بواجبها؛ فإن الدين دين الله، واللهُ سبحانه ــ ولا بدَّ ــ سائلُه عن كلِّ ما أفتى به. وهو موقوف٤
(١) ب: «تخرَّج»، وفي النسخ المطبوعة: «يخرَّج». ورسمها في ز يحتمل ما أثبت.
(٢) «وكثير منه لا نصَّ ... فتاويهم» ساقط من ك.
(٣) في المطبوع: «ما» دون الواو، وفي الطبعات السابقة: «مما».
(٤) الكلمة غير محررة في ز، ك. وفي النسخ المطبوعة: «موقرة»، تحريف.