بشرطه، ونحو ذلك. وهذا ليس بعلم، ولا يفيد فائدةً أصلًا، سوى حيرة السائل وتبلُّده١.
وكذلك قول بعضهم في فتاويه: يرجع في ذلك إلى رأي الحاكم٢. فيا سبحان الله! والله لو كان الحاكم شريحًا وأشباهَه لما كان مردُّ أحكام الله ورسوله إلى رأيه، فضلًا عن حكام زماننا. فالله المستعان.
وسئل بعضهم عن مسألة، فقال: فيها خلاف. فقيل له: كيف يعمل المفتَى٣؟ فقال: يختار له القاضي أحد المذهبين٤.
قال أبو عمرو بن الصلاح٥: كنت عند أبي السعادات بن الأثير الجزري، فحُكي له عن بعض المفتين أنه سئل عن مسألة، فقال: فيها قولان. فأخذ يُزري عليه، وقال: هذا حَيَدٌ عن الفتوى، ولم يخلِّص السائل من عَمايته، ولم يأت بالمطلوب.
قلت: وهذا فيه تفصيل، فإن المفتي المتمكّنَ من العلم المضطلعَ به قد يتوقف في الصواب في المسألة المتنازَع فيها، فلا يُقدِم على الجزم بغير علم، وغايةُ ما يمكنه أن يذكر الخلاف فيها للسائل.
(١) تبلَّد: تردَّد متحيِّرًا. وفي المطبوع: «وتنكُّده»، ولعله تصحيف.
(٤) المصدر السابق. والمسؤول أبو حامد محمد بن يونس الإِرْبِلي شيخ المَوْصِل (ت ٦٠٨).
(٥) في كتابه المذكور (ص ١٣١) وقارِن ما نقله المصنف بما ورد فيه.
وكثيرًا ما يُسأل الإمام أحمد وغيره من الأئمة عن المسألة١ فيقول: فيها قولان، أو قد اختلفوا فيها. وهذا كثير في أجوبة الإمام أحمد لسعة علمه وورعه. وهو كثير في كلام الإمام الشافعي، يذكر المسألة، ثم يقول: فيها قولان. وقد اختلف أصحابه هل يضاف القولان اللذان يحكيهما إلى مذهبه وينسبان إليه أم لا؟ على طريقين.
وإذا اختلف علي وابن مسعود، أو ابن عمر وابن عباس، أو زيد وأُبيّ وغيرهم [١٩٣/ب] من الصحابة، ولم يتبيَّن للمفتي القول الراجح من أقوالهم، فقال: هذه مسألة اختلف فيها فلان وفلان من الصحابة، فقد انتهى إلى ما يقدِر عليه من العلم.
قال أبو إسحاق الشِّيرازي٢: سمعتُ شيخَنا أبا الطيِّب الطبري يقول: سمعتُ أبا العباس الخُضَري يقول: كنتُ جالسًا عند أبي بكر بن داود الظاهري، فجاءته امرأة، فقالت: ما تقول في رجلٍ له زوجة، لا هو ممسكها ولا هو٣ مطلقها. فقال لها: اختلف في ذلك أهل العلم، فقال قائلون: تؤمر بالصبر والاحتساب، ويُبْعَث على التطلب والاكتساب. وقال قائلون: يؤمر بالإنفاق، ولا يُحمَل على الطلاق. فلم تفهم المرأة قوله، فأعادت المسألة. فقال: يا هذه أجبتُك عن مسألتك، وأرشدتك إلى طَلِبتِك، ولستُ بسلطان فأُمضي، ولا قاضٍ فأقضي، ولا زوجٍ فأُرضي؛ انصرِفي.
(١) في النسخ المطبوعة: «مسألة».
(٢) في «طبقات الفقهاء» (ص ١٧٥ - ١٧٦) وقد يكون النقل من «أدب المفتي والمستفتي» لابن الصلاح (ص ١٣٢ - ١٣٣).
(٣) «هو» ساقط من ز، وكذا في مصدر النقل والنسخ المطبوعة.