وأرفق به. وإن ترجَّح موجَب الشرط وكان قصدُ القربة والطاعة فيه أظهرَ وجب التزامه.
فهذا هو القول الكلي في شروط الواقفين، وما يجب التزامه منها، وما يسوغ، وما لا يجب. ومن سلك غير هذا المسلك تناقَض أظهر تناقض، ولم يثبت له قدمٌ يعتمد عليه.
فإذا شرَط الواقفُ أن يصلّي الموقوفُ عليه في هذا المكان المعيَّن الصلوات الخمس ولو كان وحده، وإلى جانبه المسجد الأعظم وجماعة المسلمين= لم يجب عليه الوفاء بهذا الشرط، بل ولا يحِلُّ له التزامُه إذا فاتته الجماعة؛ فإن الجماعة إما شرطٌ لا تصح الصلاة بدونها، وإما واجبة يستحقُّ تاركها العقوبة، وإن صحَّت صلاته؛ وإما سنة [١٩٤/أ] مؤكدة يقاتَل تاركُها. وعلى كلِّ تقدير فلا يحِلُّ التزامُ شرطٍ يُخِلُّ بها.
وكذلك إذا شرَط الواقفُ العزوبيةَ وتركَ التأهُّل لم يجب الوفاء بهذا الشرط١ ولا التزامه، بل من التزمه رغبةً عن السنة فليس من الله ورسوله في شيء. فإن النكاح عند الحاجة إليه إما فرضٌ يعصي٢ تاركه، وإما سنّةٌ الاشتغالُ بها٣ أفضلُ من صيام النهار وقيام الليل وسائر أوراد التطوعات، وإما سنّةٌ يثاب فاعلُها كما يثاب فاعلُ السنن والمندوبات. وعلى كلِّ تقدير
(١) في النسخ المطبوعة بعده زيادة: «بل».
(٢) أثبت في المطبوع: «يعاقب».
(٣) النسخ الخطية: «به»، وكذا في المطبوع. وكأنه أعاد الضمير على المقصود وهو النكاح. ولكن لم يقل في الجملة التالية: «يثاب فاعله»، فالظاهر أن «به» من خطأ النسَّاخ. وفي الطبعات القديمة كما أثبت.
فلا يجوز اشتراط تعطيله وتركه١، إذ يصير مضمونُ هذا الشرط أنه لا يستحقُّ تناولَ الوقف إلا من عطَّل ما فرض الله عليه وخالَف سنة رسول الله ﷺ، ومَن فعَلَ ما فرضه الله عليه وقام بالسنَّة لم يحِلَّ له أن يتناول من هذا الوقف شيئًا؛ ولا يخفى ما في التزام هذا الشرط والإلزام به من مضادَّة الله ورسوله. وهو أقبح من اشتراطه تركَ الوتر والسنن الراتبة، وصيام الاثنين والخميس، والتطوع بالليل؛ بل أقبح من اشتراطه تركَ ذكرِ الله بكرةً وعشيًّا ونحو ذلك.
ومن هذا٢: اشتراطه أن يصلّي الصلوات في التربة المدفون بها ويدَعَ المسجد. وهذا٣ مضادٌّ لدين الإسلام أعظمَ مضادَّة، فإن رسول الله ﷺ لعن المتّخذين قبور أنبيائهم مساجد٤. فالصلاة في المقبرة معصية لله ورسوله، باطلة عند كثير من أهل العلم، لا يقبلها الله ولا تُبرئ الذمة٥؛ فكيف يجوز التزامُ شرط الواقف لها، وتعطيلُ شرط الله ورسوله؟ فهكذا يُغيَّر٦ الدين لولا أن الله سبحانه يقيم له من يبيِّن أعلامه، ويدعو إليه.
ومن ذلك: اشتراط إيقاد سراج أو قنديل على القبر. فلا يحِلُّ للواقف
(١) في النسخ المطبوعة: «أو تركه».
(٢) في المطبوع: «ذلك».
(٣) في النسخ المطبوعة بعده زيادة: «أيضًا».
(٤) رواه البخاري (٤٣٥) ومسلم (٥٣١) من حديث عائشة وعبد الله بن عباس.
(٥) في النسخ المطبوعة: «ولا تبرأ الذمة بفعلها»، ولعلّ الخطأ في قراءة الفعل أدّت إلى زيادة «بفعلها».
(٦) ك: «فهذا يغير» وكذا في المطبوع. وفي الطبعات السابقة: «فهذا تغيير».