فلا يجوز اشتراط تعطيله وتركه١، إذ يصير مضمونُ هذا الشرط أنه لا يستحقُّ تناولَ الوقف إلا من عطَّل ما فرض الله عليه وخالَف سنة رسول الله ﷺ، ومَن فعَلَ ما فرضه الله عليه وقام بالسنَّة لم يحِلَّ له أن يتناول من هذا الوقف شيئًا؛ ولا يخفى ما في التزام هذا الشرط والإلزام به من مضادَّة الله ورسوله. وهو أقبح من اشتراطه تركَ الوتر والسنن الراتبة، وصيام الاثنين والخميس، والتطوع بالليل؛ بل أقبح من اشتراطه تركَ ذكرِ الله بكرةً وعشيًّا ونحو ذلك.
ومن هذا٢: اشتراطه أن يصلّي الصلوات في التربة المدفون بها ويدَعَ المسجد. وهذا٣ مضادٌّ لدين الإسلام أعظمَ مضادَّة، فإن رسول الله ﷺ لعن المتّخذين قبور أنبيائهم مساجد٤. فالصلاة في المقبرة معصية لله ورسوله، باطلة عند كثير من أهل العلم، لا يقبلها الله ولا تُبرئ الذمة٥؛ فكيف يجوز التزامُ شرط الواقف لها، وتعطيلُ شرط الله ورسوله؟ فهكذا يُغيَّر٦ الدين لولا أن الله سبحانه يقيم له من يبيِّن أعلامه، ويدعو إليه.
ومن ذلك: اشتراط إيقاد سراج أو قنديل على القبر. فلا يحِلُّ للواقف
(١) في النسخ المطبوعة: «أو تركه».
(٢) في المطبوع: «ذلك».
(٣) في النسخ المطبوعة بعده زيادة: «أيضًا».
(٤) رواه البخاري (٤٣٥) ومسلم (٥٣١) من حديث عائشة وعبد الله بن عباس.
(٥) في النسخ المطبوعة: «ولا تبرأ الذمة بفعلها»، ولعلّ الخطأ في قراءة الفعل أدّت إلى زيادة «بفعلها».
(٦) ك: «فهذا يغير» وكذا في المطبوع. وفي الطبعات السابقة: «فهذا تغيير».
شرطُ ذلك١، ولا للحاكم تنفيذه، ولا للمفتي تسويغه، ولا للموقوف عليه فعله والتزامه؛ فقد لعن رسولُ الله ﷺ المتَّخذين السُّرُجَ على القبور٢، فكيف يحِلُّ للمسلم أن يُلزم أو يسوِّغ فعلَ ما لعَن رسولُ الله٣ﷺ فاعلَه؟
وحضرتُ بعضَ قضاة الإسلام يومًا، وقد جاءه كتابُ وقفٍ على تُربة ليثبته، وفيه: «وأنه يُوقِد على القبر كلَّ ليلة قنديلًا٤»، فقلت له: كيف يحِلُّ لك أن تُثبت هذا الكتابَ وتحكُمَ بصحته، مع علمك بلعنة رسول الله ﷺ للمتخذين السُّرُجَ على القبور؟ فأمسك عن إثباته، وقال: الأمر كما قلتَ. أو كما قال.
ومن ذلك: أن يشترط القراءةَ عند قبره دون البيوت التي أذن الله أن تُرفَع ويُذكَر فيها اسمُه يسبِّح له فيها بالغدو والآصال. والناس لهم فيها٥ قولان: أحدهما: أن القراءة لا تصل إلى الميت، فلا فرق بين أن يقرأ عند القبر أو
(١) في النسخ المطبوعة: «اشتراط ذلك».
(٢) رواه الطيالسي (٢٨٥٦)، أحمد (٢٠٣٠، ٢٦٠٣، ٢٩٨٤، ٣١١٨)، وأبو داود (٣٢٣٦)، والترمذي (٣٢٠)، والنسائي (٢٠٤٣)، وابن ماجه (١٥٧٥)، من حديث ابن عباس. وفيه باذام أبو صالح مولى أم هانئ، ضعيف يرسل. وفي إسناد ابن أبي شيبة (٧٥٤٩، ١١٨١٤): «... عن محمد بن جحادة، قال: سمعت أبا صالح يحدث بعد ما كبر، عن ابن عباس». ونقل ابن الملقن في «البدر المنير» (٥/ ٣٤٨ - ٣٤٩) تضعيف هذا الحديث عن عبد الحق والمنذري والنووي وغيرهم. وكذلك ضعف الألباني زيادة «السرج». انظر: «إرواء الغليل» (٧٦١) و«السلسلة الضعيفة» (٢٢٥).