إعلام الموقعين

شرطُ ذلك١، ولا للحاكم تنفيذه، ولا للمفتي تسويغه، ولا للموقوف عليه فعله والتزامه؛ فقد لعن رسولُ الله ﷺ المتَّخذين السُّرُجَ على القبور٢، فكيف يحِلُّ للمسلم أن يُلزم أو يسوِّغ فعلَ ما لعَن رسولُ الله٣ ﷺ فاعلَه؟

وحضرتُ بعضَ قضاة الإسلام يومًا، وقد جاءه كتابُ وقفٍ على تُربة ليثبته، وفيه: «وأنه يُوقِد على القبر كلَّ ليلة قنديلًا٤»، فقلت له: كيف يحِلُّ لك أن تُثبت هذا الكتابَ وتحكُمَ بصحته، مع علمك بلعنة رسول الله ﷺ للمتخذين السُّرُجَ على القبور؟ فأمسك عن إثباته، وقال: الأمر كما قلتَ. أو كما قال.

ومن ذلك: أن يشترط القراءةَ عند قبره دون البيوت التي أذن الله أن تُرفَع ويُذكَر فيها اسمُه يسبِّح له فيها بالغدو والآصال. والناس لهم فيها٥ قولان: أحدهما: أن القراءة لا تصل إلى الميت، فلا فرق بين أن يقرأ عند القبر أو

  1. (١) في النسخ المطبوعة: «اشتراط ذلك».
  2. (٢) رواه الطيالسي (٢٨٥٦)، أحمد (٢٠٣٠، ٢٦٠٣، ٢٩٨٤، ٣١١٨)، وأبو داود (٣٢٣٦)، والترمذي (٣٢٠)، والنسائي (٢٠٤٣)، وابن ماجه (١٥٧٥)، من حديث ابن عباس. وفيه باذام أبو صالح مولى أم هانئ، ضعيف يرسل. وفي إسناد ابن أبي شيبة (٧٥٤٩، ١١٨١٤): «... عن محمد بن جحادة، قال: سمعت أبا صالح يحدث بعد ما كبر، عن ابن عباس». ونقل ابن الملقن في «البدر المنير» (٥/ ٣٤٨ - ٣٤٩) تضعيف هذا الحديث عن عبد الحق والمنذري والنووي وغيرهم. وكذلك ضعف الألباني زيادة «السرج». انظر: «إرواء الغليل» (٧٦١) و«السلسلة الضعيفة» (٢٢٥).
  3. (٣) ك: «لعن الله ورسول الله».
  4. (٤) في النسخ المطبوعة: «قنديل».
  5. (٥) لم يرد «فيها» في ز، ك.
48

بعيدًا منه عند هؤلاء. والثاني: أنها تصل، ووصولُها فرعُ حصول الثواب للقارئ، ثم ينتقل منه إلى الميت. فإذا كانت قراءة القارئ ومجيئه إلى القبر إنما هو لأجل الجُعْل، لم يُقصَد١ به التقرب إلى الله= لم يحصُل له ثواب، فكيف ينتقل عنه إلى الميِّت، وهو فرعه؟ فما زاد بمجيئه إلى التربة إلا العناء والتعب؛ بخلاف ما إذا قرأ لله٢ في المسجد أو غيره في مكان يكون أسهلَ عليه، وأعظمَ [١٩٤/ب] لإخلاصه، ثم جعَل ثوابَ ذلك للميِّت= وصل إليه.

وذاكرتُ مرةً بهذا المعنى بعضَ الفضلاء، فاعترف به، وقال: لكن بقي شيء آخر، وهو أن الواقف قد يكون قصَد انتفاعَه بسماع القرآن على قبره، ووصولَ بركة ذلك إليه. فقلت له: انتفاعُه بسَماع القرآن مشروطٌ بحياته، فلما مات انقطع عملُه كلُّه. واستماعُ القرآن من أفضل الأعمال الصالحة، وقد انقطع بموته، ولو كان ذلك ممكنًا لكان السلف الطيب من الصحابة والتابعين ومَن بعدهم أولى بهذا الحظ العظيم، لمسارعتهم إلى الخير وحرصِهم عليه، ولو كان خيرًا لسبقونا إليه. فالذي لا شكَّ فيه أنه لا يجب حضورُ التربة، ولا تتعيَّن القراءة عند القبر.

ونظير هذا ما لو وقف وقفًا يتصدَّق به عند القبر، كما يفعل كثير من الجهال، فإنَّ في ذلك من تعنية الفقير وإتعابه وإزعاجه من موضعه إلى الجبَّانة٣ في حال الحرّ والبرد والضعف حتَّى يأخذ تلك الصدقة عند القبر

  1. (١) في النسخ المطبوعة: «ولم يقصد»، بزيادة واو العطف بين معقوفين، ولا داعي لها.
  2. (٢) «لله» لم يرد في ز.
  3. (٣) هي المقبرة.
49

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي