مما١ لعله أن يُحبِط أجرها، ويمنع انعقاده بالكلّية.
ومن هذا لو شرَط واقفُ الخانقاه وغيرها على أهلها أن لا يشتغلوا بكتابة العلم وسماع الحديث والاشتغال بالفقه، فإن هذا شرط باطل مضادٌّ لدين الإسلام، لا يحلُّ تنفيذه ولا التزامه، ولا يستحق من قام به شيئًا من الوقف٢؛ فإن مضمون هذا الشرط أن الوقف المعيَّن إنما يستحقُّه مَن ترَك ما يجب عليه من العلم النافع، وجهِل أمرَ الله ورسوله ودينه، وجهِل أسماءه وصفاته وسنة نبيه ﷺ وأحكام الثواب والعقاب. ولا ريب أن هذا الصنف شرار٣ خلق الله، وأمقتهم عند الله ورسوله، وهم خاصَّة الشيطان وأولياؤه وحزبه ﴿أَلَا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾[المجادلة: ١٩].
ومن ذلك إن شرَطَ٤ الواقف أن لا يُقرأ في ذلك المكان شيءٌ من آيات الصفات وأحاديث الصفات، كما أمر به بعضُ أعداء الله من الجهمية لبعض الملوك، وقد وقف مسجدًا لله. ومضمون هذا الشرط المضادِّ لما بعث الله به رسوله أن يعطَّل أكثرُ آيات القرآن عن التلاوة والتدبر والتفهم، وكثيرٌ من السنة أو أكثرُها عن أن تُذكَر أو تُروى أو تُسمَع أو يُهتدى بها، ويقام سوقُ التجهُّمِ والكلامِ المبتدَع المذموم، الذي هو كفيل بالبدع والضلالة والشك والحيرة.
(١) نقل في حاشية المطبوع أن في نسخة: «ما»، وهو أشبه.
(٢) في النسخ المطبوعة: «هذا الوقف».
(٣) في النسخ المطبوعة: «من شرار».
(٤) ب: «أن يشرط». وفي النسخ المطبوعة: «أن يشترط».
ومن ذلك أيضًا: أن يقف مكانًا إمَّا مسجدًا١ أو مدرسةً أو رباطًا على طائفة معيَّنة من الناس دون غيرهم، كالعجم مثلًا أو الروم أو الترك أو غيرهم. وهذا من أبطل الشروط، فإن مضمونه أن أقارب رسول الله ﷺ وذرية المهاجرين والأنصار لا يحِلُّ لهم أن يصلُّوا في هذا المسجد، ولا ينزلوا في هذا الرباط أو المدرسة أو الخانقاه. بل لو أمكن أن يكون أبو بكر وعمر وأهلُ بدر وأهلُ بيعة الرضوان بين أظهرنا حرُم عليهم النزولُ بهذا المكان الموقوف.
وهذه الشروط والاشتغال بها والاعتداد بها من أسمَج الهذيَان، ولا تصدر من قلب طاهر، ولا ينفِّذها مَن شمَّ روائحَ العلم الذي بعث الله به رسولَه.
وكذلك لو شرَط أن يكون المقيمون بهذه الأمكنة طائفةً من أهل البدع [١٩٥/أ] كالشيعة والخوارج والمعتزلة والجهمية، والمبتدعين في أعمالهم كأصحاب الإشارات واللَّاذَن٢ والتسيير٣ والتغيير٤ وأكل الحيات وأصحاب النار، وأشباه الذئاب المشتغلين بالأكل والشرب والرقص= لم يصح هذا الشرط، وكان غيرُهم أحقَّ بالمكان منهم، وشروطُ الله أحقُّ. فهذه
(١) ك، ب: «مكانًا مسجدًا». وفي النسخ المطبوعة: «أو مسجدًا».
(٢) سبق تفسيره.
(٣) في ز هنا بالثاء ثم السين دون أسنان ثم الباء، ومن قبل ثبت فيه: «التسيير». وفي ك: «الثيبر». وفي ب: «التيسير»، وكذا في المطبوع وذكر في تعليقه أن في (ق): «الستر». ولم يتبين لنا صواب الكلمة.
(٤) في النسخ الخطية: «العنبر»، ولعل الصواب ما أثبتنا هنا ومن قبل استئناسًا بما ورد في «مجموع الفتاوى» (٣٥/ ١١٣).