إعلام الموقعين

ومن ذلك أيضًا: أن يقف مكانًا إمَّا مسجدًا١ أو مدرسةً أو رباطًا على طائفة معيَّنة من الناس دون غيرهم، كالعجم مثلًا أو الروم أو الترك أو غيرهم. وهذا من أبطل الشروط، فإن مضمونه أن أقارب رسول الله ﷺ وذرية المهاجرين والأنصار لا يحِلُّ لهم أن يصلُّوا في هذا المسجد، ولا ينزلوا في هذا الرباط أو المدرسة أو الخانقاه. بل لو أمكن أن يكون أبو بكر وعمر وأهلُ بدر وأهلُ بيعة الرضوان بين أظهرنا حرُم عليهم النزولُ بهذا المكان الموقوف.

وهذه الشروط والاشتغال بها والاعتداد بها من أسمَج الهذيَان، ولا تصدر من قلب طاهر، ولا ينفِّذها مَن شمَّ روائحَ العلم الذي بعث الله به رسولَه.

وكذلك لو شرَط أن يكون المقيمون بهذه الأمكنة طائفةً من أهل البدع [١٩٥/أ] كالشيعة والخوارج والمعتزلة والجهمية، والمبتدعين في أعمالهم كأصحاب الإشارات واللَّاذَن٢ والتسيير٣ والتغيير٤ وأكل الحيات وأصحاب النار، وأشباه الذئاب المشتغلين بالأكل والشرب والرقص= لم يصح هذا الشرط، وكان غيرُهم أحقَّ بالمكان منهم، وشروطُ الله أحقُّ. فهذه

  1. (١) ك، ب: «مكانًا مسجدًا». وفي النسخ المطبوعة: «أو مسجدًا».
  2. (٢) سبق تفسيره.
  3. (٣) في ز هنا بالثاء ثم السين دون أسنان ثم الباء، ومن قبل ثبت فيه: «التسيير». وفي ك: «الثيبر». وفي ب: «التيسير»، وكذا في المطبوع وذكر في تعليقه أن في (ق): «الستر». ولم يتبين لنا صواب الكلمة.
  4. (٤) في النسخ الخطية: «العنبر»، ولعل الصواب ما أثبتنا هنا ومن قبل استئناسًا بما ورد في «مجموع الفتاوى» (٣٥/ ١١٣).
51

الشروط وأضعافها وأضعاف أضعافها من باب التعاون على الإثم والعدوان، والله تعالى إنما أمَر بالتعاون على البرِّ والتقوى، وهو ما شرعه على لسان رسوله١، دون ما لم يشرعه، فكيف بما شُرِع خلافَه!

والوقف إنما يصح على القُرَب والطاعات، ولا فرق في ذلك بين مصرفه وجهته وشرطه؛ فإن الشرط صفة وحال في الجهة والمصرف، فإذا اشترط أن يكون المصروف٢ قربة وطاعة فالشرط كذلك، ولا يقتضي الفقه إلا هذا. ولا يمكن أحدًا أن ينقل عن أئمة الإسلام الذين لهم في الأمة لسانُ صدق ما يخالف ذلك البتة. بل نشهد بالله ولله أن الأئمة لا تخالف ما ذكرناه، وأن هذا نفس قولهم، وقد أعاذهم الله من غيره. وإنما يقع الغلط الكثير٣ من المنتسبين إليهم في فهم أقوالهم، كما وقع لبعض من نصَب نفسَه للفتوى من أهل عصرنا: ما تقول السادة الفقهاء٤ في رجل وقَف وقفًا على أهل الذمة، هل يصحُّ ويتقيَّد الاستحقاق بكونه منهم؟ فأجاب بصحة الوقف، وتقيُّد٥ الاستحقاق بذلك الوصف، وقال: هكذا قال أصحابنا، ويصح الوقف على أهل الذمة. فأنكر ذلك شيخُنا عليه غاية الإنكار، وقال: مقصود الفقهاء بذلك أن كونه من أهل الذمة ليس مانعًا من صحة الوقف عليه بالقرابة أو بالتعيين. وليس مقصودهم أن الكفر بالله ورسوله أو عبادة

  1. (١) في النسخ المطبوعة: «رسول الله ﷺ».
  2. (٢) في النسخ المطبوعة: «المصرف».
  3. (٣) في المطبوع: «لكثير»، وفي الطبعات السابقة: «من كثير».
  4. (٤) هكذا السياق في النسخ الخطية والمطبوعة.
  5. (٥) في النسخ المطبوعة: «وتقييد».
52

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي