إعلام الموقعين

الشروط وأضعافها وأضعاف أضعافها من باب التعاون على الإثم والعدوان، والله تعالى إنما أمَر بالتعاون على البرِّ والتقوى، وهو ما شرعه على لسان رسوله١، دون ما لم يشرعه، فكيف بما شُرِع خلافَه!

والوقف إنما يصح على القُرَب والطاعات، ولا فرق في ذلك بين مصرفه وجهته وشرطه؛ فإن الشرط صفة وحال في الجهة والمصرف، فإذا اشترط أن يكون المصروف٢ قربة وطاعة فالشرط كذلك، ولا يقتضي الفقه إلا هذا. ولا يمكن أحدًا أن ينقل عن أئمة الإسلام الذين لهم في الأمة لسانُ صدق ما يخالف ذلك البتة. بل نشهد بالله ولله أن الأئمة لا تخالف ما ذكرناه، وأن هذا نفس قولهم، وقد أعاذهم الله من غيره. وإنما يقع الغلط الكثير٣ من المنتسبين إليهم في فهم أقوالهم، كما وقع لبعض من نصَب نفسَه للفتوى من أهل عصرنا: ما تقول السادة الفقهاء٤ في رجل وقَف وقفًا على أهل الذمة، هل يصحُّ ويتقيَّد الاستحقاق بكونه منهم؟ فأجاب بصحة الوقف، وتقيُّد٥ الاستحقاق بذلك الوصف، وقال: هكذا قال أصحابنا، ويصح الوقف على أهل الذمة. فأنكر ذلك شيخُنا عليه غاية الإنكار، وقال: مقصود الفقهاء بذلك أن كونه من أهل الذمة ليس مانعًا من صحة الوقف عليه بالقرابة أو بالتعيين. وليس مقصودهم أن الكفر بالله ورسوله أو عبادة

  1. (١) في النسخ المطبوعة: «رسول الله ﷺ».
  2. (٢) في النسخ المطبوعة: «المصرف».
  3. (٣) في المطبوع: «لكثير»، وفي الطبعات السابقة: «من كثير».
  4. (٤) هكذا السياق في النسخ الخطية والمطبوعة.
  5. (٥) في النسخ المطبوعة: «وتقييد».
52

الصليب وقولهم إن المسيح ابن الله شرطٌ لاستحقاق الوقف، حتَّى إن من آمن بالله ورسوله واتبع دينَ الإسلام لم يحِلَّ له أن يتناول بعد ذلك من الوقف، فيكون حلُّ تناوله مشروطًا بتكذيب الله ورسوله، والكفر بدين الإسلام. ففرقٌ بين كون وصف الذمة مانعًا من صحة الوقف، وبين كونه مقتضيًا. فغلُظَ طبعُ هذا المفتي، وكثُفَ فهمُه، وغلُظَ حجابُه عن ذلك، ولم يميِّز.

ونظير هذا أن يقف على الأغنياء، فهذا يصح إذا كان الموقوف عليه غنيًّا أو ذا قرابة، فلا يكون الغنى مانعًا. ولا يصح أن يكون جهة الاستحقاق هو الغنى، فيستحق ما دام غنيًّا، فإذا افتقر واضطُرَّ إلى ما يقيم أوَدَه حرُم عليه تناولُ الوقف؛ فهذا لا يقوله إلا من حُرِم التوفيقَ، وصحِبه الخذلان. ولو رأى رسول الله ﷺ أحدًا من الأئمة يفعل ذلك لاشتدَّ إنكارُه وغضبُه عليه، ولَمَا أقرَّه البتة. وكذلك لو رأى رجلًا من أمته قد وقف على من يكون من الرجال عزَبًا غير متأهِّل، فإذا تأهَّلَ حرُم عليه تناولُ الوقف= لاشتدَّ غضبُه ونكيرُه عليه. بل دينُه يخالف هذا، فإنه كان إذا جاءه مالٌ أعطى العزبَ حظًّا، وأعطى الآهل حظَّين١. وأخبر أن ثلاثةً حقٌّ على الله [١٩٥/ب] عونُهم، فذكَر منهم الناكحَ يريد العفافَ٢، وملتزم هذا الشرط حقٌّ عليه عدمُ إعانة الناكح.

ومن هذا: أن يشترط أنه لا يستحقُّ الوقفَ إلا مَن ترك الواجبَ عليه من طلب النصوص ومعرفتها، والتفقُّهِ في متونها، والتمسُّكِ بها، إلى الأخذ

  1. (١) رواه أحمد (٢٣٩٨٦، ٢٤٠٠٤) وأبو داود (٢٩٥٣) من حديث عوف بن مالك. صححه ابن حبان (٤٨١٦) والحاكم (٢/ ١٤٠).
  2. (٢) تقدَّم تخريجه.
53

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي