فلو قال السائل: ميِّتٌ خلَّف ابنتين وأبوين١، ولم تُقسَم التركة حتى ماتت إحداهما وخلَّفت من خلَّفت. قال المفتي: إن كان الميت ذكرًا فمسألته من ستة، للأبوين سهمان، ولكلِّ بنت سهمان. فلما ماتت إحداهما خلَّفت جدَّةً وجدًّا وأختًا لأب، فمسألتها من ستة، وتصح من ثمانية عشر، وتركتها سهمان توافق مسألتها بالنصف، فترد إلى تسعة، ثم تضربها في ستة تكون أربعة وخمسين، ومنها تصح. وإن كان الميت أنثى ففريضتها أيضًا من ستة، ثم ماتت إحدى البنتين عن سهمين، وخلَّفت جدّةً وجدًّا من أم وأختًا لأب، فلا شيء للجدّ، وللجدّة السدس، وللأخت النصف، والباقي للعصبة. فمسألتها من ستة، وسهامها اثنان فاضرب ثلاثة في المسألة الأولى تكن ثمانية عشر.
والمقصود: التنبيه على وجوب التفصيل إذا كان يجد السؤال محتملًا. وبالله التوفيق. فكثيرًا ما يقع غلطُ المفتي في هذا القسم، فالمفتي ترد عليه المسائل في قوالب متنوعة جدًّا، فإن لم يتفطَّن لحقيقة السؤال وإلا هلَك٢ وأهلَك. فتارةً تورد عليه المسألتان صورتُهما واحدة وحكمُهما مختلف: صورةُ الصحيح٣ والجائزِ صورةُ الباطل والمحرَّم، ويختلفان بالحقيقة، فيذهل بالصورة عن الحقيقة، فيجمع بين ما فرَّق الله ورسوله بينه.
وتارةً تورد عليه المسألتان صورتهما مختلفة، وحقيقتهما واحدة،
(١) في النسخ الثلاث: «أبوين وابنتين». ولكن في ز فوقهما علامة التقديم والتأخير.
(٢) نبهت آنفًا في هذه المسألة نفسها على استعمال «وإلا» في غير موقعها. وهنا مثله، فالمعنى: «فإن لم يتفطَّن هلك وأهلك».
(٣) في النسخ المطبوعة: «فصورة الصحيح».
وحكمهما واحد؛ فيذهل باختلاف الصورة عن تساويهما في الحقيقة، فيفرِّق بين ما جمع الله بينه.
وتارةً تورد عليه المسألة مجملةً تحتها عدة أنواع، فيذهب وهمُه إلى واحد منها، أو يشِذّ عنه المسؤول١ عنه منها، فيجيب بغير الصواب. وتارةً تورد عليه المسألة الباطلة في دين الله في قالبٍ مزخرَف ولفظٍ حسن، فيبادر إلى تسويغها، وهي من أبطل الباطل، وتارةً بالعكس؛ فلا إله إلا الله، كم هاهنا من مزلَّة أقدام، ومحلِّ أوهام!
وما دعا مُحِقٌّ إلى حقٍّ إلا أخرجه الشيطان على لسان أخيه ووليِّه من الإنس في [١٩٨/أ] قالبٍ تنفِر عنه خفافيشُ البصائر وضعفاءُ العقول وهم أكثر الناس. وما حذَّر أحد من باطلٍ إلا أخرجه الشيطان على لسان وليِّه من الإنس في قالبٍ مزيَّف مزخرَف يستخِفُّ به عقولَ ذلك الضرب من الناس، فيستجيبون له. وأكثر الناس نظرهم قاصر على الصور، لا يتجاوزها إلى الحقائق، فهم محبوسون في سجن الألفاظ، مقيَّدون بقيود العبارات، كما قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ ١١٢ وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ﴾[الأنعام: ١١٢ - ١١٣].
وأذكر لك من هذا مثالًا وقع في زماننا، وهو أن السلطان أمر أن يُلزَم أهلُ الذمة بتغيير عمائمهم، وأن تكون خلاف ألوان عمائم المسلمين،