ثم جاؤوا بها في قالب آخر، فقلت: لا تجوز إعادتهم. فذهبوا، ثم أتوا بها في قالب آخر، فقلت: هي المسألة المعيَّنة، وإن خرجت في عدة قوالب. ثم ذهب إلى السلطان، وتكلَّم عنده بكلام عجِبَ منه الحاضرون، فأطبق القوم على إبقائهم، ولله الحمد.
ونظائر هذه الحادثة أكثر من أن تحصى. فقد ألقى الشيطان على ألسنة أوليائه أن صوَّروا فتوى فيما يحدُث ليلة النصف في الجامع، وأخرجوها في قالب حسن، حتى استخفُّوا عقل بعض المفتين، فأفتاهم بجوازه. وسبحان الله، كم تُوُصِّل بهذه الطرق إلى إبطال حقٍّ، وإثبات باطل! وأكثر الناس إنما هم أهل ظواهر في الكلام واللباس والأفعال، وأهلُ النقد منهم الذين يعبُرون من الظاهر إلى حقيقته وباطنه لا يبلغون عُشْرَ معشار غيرهم، ولا قريبًا من ذلك. فالله المستعان.
الفائدة التاسعة عشرة: إذا سئل عن مسألة من الفرائض لم يجب عليه أن يذكر موانعَ الإرث، فيقول: بشرط أن لا يكون [١٩٨/ب] كافرًا ولا رقيقًا ولا قاتلًا. وإذا سئل عن فريضة فيها أخ وجب عليه أن يقول: إن كان لأبٍ فله كذا، وإن كان لأمٍّ فله كذا. وكذلك إذا سئل عن الأعمام وبنيهم وبني الإخوة وعن الجدِّ والجدَّة فلا بد من التفصيل.
والفرق بين الموضعين أن السؤال المطلق في الصورة الأولى يدل على الوارث الذي لم يقم به مانع من الميراث، كما لو سئل عن رجل باع أو آجرَ أو تزوَّج أو أقرَّ لم يجب عليه أن يذكر موانع الصحة من الجنون والإكراه ونحوهما إلا حيث يكون الاحتمال متساويًا.
ومن تأمَّل أجوبة النبي ﷺ رآه يستفصل حيث تدعو الحاجة إلى الاستفصال، ويتركه حيث لا يحتاج إليه، ويحيل فيه مرةً على ما عُلِم من شرعه ودينه من شروط الحكم وتوابعه. بل هذا كثير في القرآن، كقوله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾[النساء: ٢٤]، وقوله: ﴿فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾[البقرة: ٢٣٠]، وقوله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾[المائدة: ٥].
ولا يجب على المتكلِّم والمفتي أن يستوعب شرائط الحكم وموانعه كلَّها عند ذكر حكم المسألة، ولا ينفع السائلَ١ والمتعلِّمَ قولُه «بشرطه، وعدم موانعه» ونحو ذلك، فلا بيانَ أتمُّ من بيان الله ورسوله، ولا هديَ أكملُ من هدي الصحابة والتابعين. وبالله التوفيق.
الفائدة العشرون: لا يجوز للمقلِّد أن يفتي في دين الله بما هو مقلِّد فيه وليس على بصيرة فيه، سوى أنه قولُ من قلَّده دينَه. هذا إجماع من السلف كلِّهم، وصرَّح به أصحاب أحمد والشافعي وغيرهم٢.
قال أبو عمرو بن الصلاح٣: قطع أبو عبد الله الحليمي إمام الشافعيين بما وراء النهر والقاضي أبو المحاسن الرُّوياني صاحب «بحر المذهب» وغيرهما بأنه لا يجوز للمقلِّد أن يفتي بما هو مقلِّد فيه.
(١) في النسخ المطبوعة بعده زيادة: «والمتكلم».
(٢) ز: «وصرَّح به الإمام أحمد والشافعي وغيرهم». وكذا في النسخ المطبوعة بعد تصحيح «وغيرهم».