ونظيرها: لو غلب الحرام والشبهة١ حتى لم يجد الحلال المحض فإنه يتناول الأمثل بالأمثل.
ونظيرها٢: لو شهد بعضُ النساء على بعض بحقٍّ في بدن أو عرض أو مال، وهن منفردات، بحيث لا رجل معهن كالحمامات والأعراس، قُبِلت شهادةُ الأمثل فالأمثل منهن قطعًا. ولا يضيع الله ورسوله حقَّ المظلوم، ولا يعطِّل إقامة دينه في مثل هذه الصورة أبدًا.
بل قد نبَّه الله تعالى على القبول في مثل هذه الصورة، بقبول شهادة الكفار على المسلمين في السفر في الوصية في آخر سورةٍ أنزلت في القرآن، ولم ينسخها شيء البتة، ولا نسخ هذا الحكمَ كتابٌ ولا سنّةٌ، ولا أجمعت الأمة على خلافه، ولا يليق بالشريعة سواه. فالشريعة شُرِعت لتحصيل مصالح العباد بحسب الإمكان، وأيُّ مصلحة لهم في تعطيل حقوقهم إذا لم يحضر أسبابَ تلك الحقوق شاهدان حرَّان ذكران عدلان؟
بل إذا قلتم: تقبل شهادة الفساق حيث لا عدل، وينفَّذ حكم الجاهل والفاسق٣ إذا خلا الزمان عن قاض عالم عادل، فكيف لا تقبل شهادة النساء إذا خلا جمعُهن عن رجل، أو شهادة العبيد إذا خلا جمعُهم عن حرٍّ، أو شهادة الكفار بعضهم على بعض إذا خلا جمعُهم عن مسلم؟
(١) في النسخ المطبوعة: «الحرام المحض أو الشبهة».
(٢) في النسخ المطبوعة: «ونظير هذا».
(٣) ب: «الفاسق والجاهل».
وقد قبل ابن الزبير شهادةَ الصبيان بعضهم على بعض في تجارُحهم١، ولم ينكره عليه أحد من الصحابة. وقال به مالك والإمام أحمد في إحدى الروايتين عنه حيث يغلب على الظن صدقُهم بأن يجيؤوا٢ قبل أن يُخَبَّبُوا٣ أو يتفرَّقوا إلى بيوتهم. وهذا هو الصواب٤، وبالله التوفيق.
وكلام أصحاب أحمد في ذلك يخرَّج على وجهين. فقد منع كثيرٌ منهم الفتوى والحكم بالتقليد، وجوَّزه بعضهم لكن على وجه الحكاية لقول المجتهد، كما قال أبو إسحاق بن شَاقْلا ــ وقد جلس في جامع المنصور فذكر قول أحمد: إن المفتي ينبغي له أن يحفظ أربعمائة ألف حديث، ثم يفتي ــ: فقال لي رجلٌ: فأنت تحفظ هذا؟ قلت٥: إن لم أحفظ هذا، فأنا أفتي بقول من كان يحفظه٦. وقال أبو الحسن بن بشار من كبار أصحابنا:
(١) رواه مالك (٢/ ٧٢٦)، وعبد الرزاق (١٤٤٩٤، ١٤٤٩٥)، وابن أبي شيبة (٢١٤٣٣) من طريقين عن ابن الزبير، وإسناده صحيح، صححه ابن عبد البر في «الاستذكار» (٢٢/ ٧٨).
(٢) في النسخ المطبوعة: «يجيبوا». ورسمها في (ز، ك) بنبرة واحدة بعد الجيم.
(٣) ز: «يختبوا». وفي ك: «يحيبوا» دون نقط الباء. وفي ب: «يجيئوا». وفي النسخ المطبوعة: «يجتنبوا»، وكلُّ ذلك تصحيف ما أثبت. انظر: «المدونة» (٤/ ٢٦) و«الاستذكار» (٧/ ١٢٤). وخبَّبَه: خدعه وأفسده.