إعلام الموقعين

تفاوتت١ الدرجات في الدنيا والآخرة. فكم بين مريدٍ بالفتوى وجهَ الله ورضاه والقربَ منه وما عنده، ومريدٍ بها وجهَ المخلوق ورجاءَ منفعته وما يناله منه تحقيقًا٢ أو طمعًا! فيفتي الرجلان بالفتوى الواحدة، وبينهما في الفضل والثواب أعظم مما بين المشرق والمغرب. هذا يفتي لتكون كلمة الله هي العليا، ودينه هو الظاهر، ورسوله هو المطاع. وهذا يفتي ليكون قوله هو المسموع، وهو المشار إليه، وجاهه هو القائم سواء وافق الكتاب والسنة أو خالفهما، فالله المستعان.

وقد جرت عادة الله التي لا تبدَّل وسنته التي لا تحوَّل: أن يُلبِس المخلصَ، من المهابة والنور والمحبة في قلوب الخلق وإقبال قلوبهم إليه ما هو بحسب إخلاصه ونيته ومعاملته لربه؛ ويُلبِس المرائي اللابسَ ثوبَي الزور من المقت والمهانة والبغضة ما هو اللائق به. فالمخلص له المهابة والمحبة، وللآخر المقت والبغضاء.

وأما قوله: «أن يكون له حلم ووقار وسكينة»، فليس صاحبُ العلم والفتيا إلى شيء أحوجَ منه إلى الحلم والسكينة والوقار، فإنها كسوةُ علمه وجماله، وإذا فقدها كان علمُه كالبدن العاري من اللباس.

قال٣ بعض السلف: ما قُرن شيءٌ إلى شيء أحسنُ من علم إلى حلم٤.

  1. (١) في النسخ المطبوعة: «تتفاوت».
  2. (٢) في النسخ المطبوعة: «تخويفًا»، ويبدو أنه تحريف من بعض النساخ أو الناشرين.
  3. (٣) في النسخ المطبوعة: «وقال».
  4. (٤) رواه أبو خيثمة في «العلم» (٨١)، والدارمي (٥٩٦)، وابن عبد البر في «جامع بيان العلم» (٤٨٨) عن عطاء بلفظ: «ما أوى شيء إلى شيء أزين من حلم إلى علم»، وإسناده صحيح. وروي من قول سليمان بن موسى عند ابن أبي شيبة (٢٦١٣٨).
76

والناس هاهنا أربعة أقسام: فخيارهم من أوتي العلم والحلم١. وشرارهم من عَدِمهما. الثالث: من أوتي علمًا بلا حلم. الرابع: عكسه.

فالحلم زينة العلم وبهاؤه وجماله. وضدُّه: الطيش والعجلة والحدَّة والتسرُّع وعدم الثبات. فالحليم لا يستفزُّه البَدَوات٢، ولا يستخفُّه الذين لا يعلمون، ولا يُقَلقله٣ أهلُ الطيش والخفة والجهل. بل هو وقور ثابت ذو أناة، يملك نفسه عند ورود أوائل الأمور عليه، ولا تملكه أوائلها. وملاحظته للعواقب تمنعه من أن تستخفَّه دواعي الغضب والشهوة. فبالعلم تنكشف له مواقع الخير والشرّ والصلاح والفساد، [٢٠٠/ب] وبالحلم يتمكَّن من تثبيت نفسه عند الخير، فيؤثره، ويصبر عليه؛ وعند الشرِّ فيصبر عنه. فالعلم يعرِّفه رشدَه، والحلم يثبِّته عليه.

وإذا شئت أن ترى بصيرًا بالخير والشرِّ لا صبر له على هذا ولا عن هذا رأيته. وإذا شئت أن ترى صابرًا على المشاقِّ لا بصيرةَ له رأيته. وإذا شئت أن ترى من لا صبر له ولا بصيرة رأيته. وإذا شئت أن ترى بصيرًا صابرًا لم تكد. فإذا رأيتَه فقد رأيتَ إمامَ هدًى حقًّا، فاستمسِكْ بغَرْزه!

والوقار والسكينة ثمرة الحلم ونتيجته. ولشدة الحاجة إلى السكينة وحقيقتها وتفاصيلها وأقسامها، نشير إلى ذلك إشارةً بحسب علومنا القاصرة، وأذهاننا الجامدة، وعباراتنا الناقصة. ولكن نحن أبناء الزمان، والناسُ بزمانهم أشبه منهم بآبائهم، ولكلِّ زمان دولة ورجال.

  1. (١) في النسخ المطبوعة: «الحلم والعلم».
  2. (٢) يعني الآراء المختلفة التي تظهر له.
  3. (٣) أي لا يحرِّكه ويزعجه. وفي النسخ المطبوعة: «يقلقه».
77

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي