المجتهد في أحكام النوازل، يقصد١ فيها موافقةَ الأدلة الشرعية حيث كانت. ولا ينافي اجتهادُه تقليدَه لغيره أحيانًا، فلا تجد أحدًا من الأئمة إلا وهو مقلِّد من هو أعلم منه في بعض الأحكام. وقد قال الشافعي في موضع من الحج: قلته تقليدًا لعطاء٢. فهذا النوع الذي يسوغ لهم الإفتاء، ويسوغ استفتاؤهم ويتأدى بهم فرض الاجتهاد، وهم الذين قال فيهم النبي ﷺ: «إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كلِّ مائة سنة مَن يجدِّد لها دينها»٣ وهم غرس الله الذين لا يزال يغرسهم في دينه، وهم الذين قال فيهم علي بن أبي طالب: لن تخلو الأرض من قائمٍ لله بحجته٤.
فصل
النوع الثاني: مجتهد مقيَّد في مذهب من ائتمَّ به. فهو مجتهد في معرفة فتاويه وأقواله ومآخذه وأصوله، عارف بها، متمكِّن من التخريج عليها وقياس ما لم ينُصَّ من ائتمَّ به عليه على منصوصه، من غير أن يكون مقلِّدًا لإمامه، لا في الحكم ولا في الدليل؛ لكن سلك طريقه في الاجتهاد والفتيا، ودعا إلى مذهبه ورتَّبه وقرَّره، فهو موافق له في مقصده وطريقه معًا.
وقد ادَّعى هذه المرتبة [٢٠٤/ب] من الحنابلة القاضي أبو يعلى، والقاضي أبو علي بن أبي موسى في «شرح الإرشاد» الذي له، ومن الشافعية
(١) تصحف في ك، ب إلى «بقصده».
(٢) تقدَّم غير مرَّة.
(٣) تقدم تخريجه.
(٤) تقدم أيضًا.
خلق كثير١. وقد اختلفت الحنفية في أبي يوسف ومحمد وزفر بن الهذيل، والشافعية في المزني وابن سريج وابن المنذر ومحمد بن نصر المروزي، والمالكية في أشهب وابن عبد الحكم وابن القاسم وابن وهب، والحنابلة في ابن حامد٢ والقاضي: هل كان هؤلاء مستقلِّين بالاجتهاد، أو متقيِّدين بمذاهب أئمتهم؟ على قولين. ومن تأمَّل أحوال هؤلاء وفتاويهم واختياراتهم علِمَ أنهم لم يكونوا مقلِّدين لأئمتهم في كلِّ ما قالوه، وخلافُهم لهم أظهر من أن يُنكَر، وإن كان منهم المستقِلّ والمستكثر. ورتبة هؤلاء دون رتبة الأئمة في الاستقلال بالاجتهاد.
فصل
النوع الثالث: من هو مجتهد في مذهب من انتسب إليه، مقرِّر له بالدليل، متقن لفتاويه، عالم بها؛ لكن لا يتعدَّى أقواله وفتاويه ولا يخالفها، وإذا وجد نصَّ إمامه لم يعدِل عنه إلى غيره البتة. وهذا شأن أكثر المصنِّفين في مذاهب أئمتهم، وهو حال أكثر علماء الطوائف. وكثير منهم يظن أنه لا حاجة به إلى معرفة الكتاب والسنة والعربية، لكونه مجتزئًا٣ بنصوص إمامه، فهي عنده كنصوص الشارع، قد٤ اكتفى بها من كلفة التعب والمشقة، وقد كفاه الإمام استنباطَ الأحكام ومؤنةَ استخراجها من