إعلام الموقعين

وحجة المنع: تعلُّق أبواب الشرع وأحكامه بعضِها ببعض، فالجهلُ ببعضها مظنَّة للتقصير في الباب والنوع الذي١ عرفه. ولا يخفى الارتباط بين كتاب النكاح والطلاق والعِدَد٢ وكتاب الفرائض، وكذلك الارتباط بين كتاب الجهاد وما يتعلَّق به، وكتاب الحدود والأقضية والأحكام، وكذلك عامة أبواب الفقه.

ومن فرَّق بين الفرائض وغيرها رأى انقطاع أحكام قسمة المواريث ومعرفة الفروض ومستحقِّها عن كتاب البيوع والإجارات والرهون والنضال وغيرها، وعدم تعلُّقاتها٣. وأيضًا فإن عامة أحكام المواريث قطعية، وهي منصوص عليها في كتاب الله٤.

فإن قيل: فما تقولون فيمن بذل جهده في معرفة مسألة أو مسألتين، هل له أن يفتي بهما؟

قيل: نعم يجوز في أصحِّ القولين، وهما وجهان لأصحاب الإمام أحمد. وهل هذا إلا من التبليغ عن الله ورسوله٥؟ وجزى الله من أعان الإسلام ولو بشطر كلمة خيرًا، ومنعُ هذا من الإفتاء بما علِمَ خطأ محض. وبالله التوفيق.

الفائدة الثالثة والثلاثون: من أفتى الناس وليس بأهل للفتوى فهو آثم

  1. (١) في النسخ المطبوعة بعده زيادة: «قد».
  2. (٢) في النسخ المطبوعة: «والعِدَّة».
  3. (٣) ب: «تعلقها بها».
  4. (٤) في النسخ المطبوعة: «في الكتاب والسنة».
  5. (٥) في النسخ المطبوعة: «وعن رسوله».
103

عاص. ومن أقرَّه من ولاة الأمور على ذلك فهو آثم أيضًا.

قال أبو الفرج بن الجوزي١: ويلزم وليَّ الأمر منعُهم كما فعل بنو أمية. وهؤلاء بمنزلة من يدلُّ الركبَ وليس له علم بالطريق، وبمنزلة الأعمى الذي يرشد الناس إلى القبلة، وبمنزلة من لا معرفة له بالطب وهو يطُبّ الناس؛ بل هو أسوأ حالًا من هؤلاء كلِّهم. وإذا تعيَّن على ولي الأمر منعُ من لم يحسن التطبُّب من مداواة المرضى٢، فكيف بمن لم يعرف الكتاب والسنة، ولم يتفقه في الدين؟

وكان شيخنا ﵁ شديد الإنكار على هؤلاء. فسمعته يقول: قال لي بعض هؤلاء: أجُعِلتَ محتسبًا على الفتوى؟ فقلتُ له: يكون على الخبازين والطباخين محتسب، ولا يكون على الفتوى محتسب؟

وقد روى الإمام أحمد وابن ماجه عن النبي ﷺ مرفوعًا: «من أُفتيَ بغير علم كان إثم ذلك على الذي أفتاه»٣.

وفي «الصحيحين»٤ من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ عن النبي ﷺ: «أن الله لا يقبض العلم انتزاعًا ينتزعه من صدور الرجال، ولكن يقبض العلمَ بقبض العلماء. فإذا لم يبق عالم اتخذ الناس رؤساءَ جُهَّالًا؛ فسئلوا، فأفتَوا بغير علم، فضلُّوا وأضلُّوا».

  1. (١) في «تعظيم الفتيا» فيما يظهر، ولكن في نسختيه اللتين طبع عنهما سقطًا.
  2. (٢) في النسخ الخطية: «المرض»، والمثبت من المطبوعة.
  3. (٣) تقدَّم تخريجه.
  4. (٤) تقدَّم في أول الكتاب.
104

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي