وسئل الشعبيُّ عن شيء١، فقال: لا أدري. فقيل٢: ألا تستحيي من قولك لا أدري، وأنت فقيه أهل العراق؟ فقال: لكن الملائكة لم تستحي حين قالوا: ﴿لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا﴾[البقرة: ٣٢]٣.
وقال بعض أهل العلم٤: تعلَّمْ «لا أدري»، فإنك إن قلتَ: «لا أدري» علَّموك حتى تدري. وإن قلت: «أدري» سألوك حتى لا تدري.
وقال عُقبة٥ بن مسلم: صحبتُ ابن عمر أربعة وثلاثين شهرًا، فكان كثيرًا ما يُسأَل، فيقول: لا أدري٦.
وكان سعيد بن المسيب لا يكاد يُفتي فتيا ولا يقول شيئًا إلا قال: اللهم سلِّمني، وسلِّم مني٧.
(١) في النسخ المطبوعة: «مسألة».
(٢) في النسخ المطبوعة بعده زيادة: «له».
(٣) «صفة الفتوى» (ص ٩). وقد رواه ابن أبي الدنيا في «الإشراف» (٢٥٨)، وفيه محمد بن مزاحم، لم يسمع من الشعبي. ورواه الخطيب في «الفقيه والمتفقه» (١١٢٣) وابن الجوزي في «تعظيم الفتيا» (٢٦) من طريق أحمد بن عبيد، عن الهيثم بن عدي، عن مجالد؛ ثلاثتهم ضعفاء.
(٤) نقله في «صفة الفتوى» (ص ٩) عن أبي الذَّيَّال. وقد رواه ابن الجوزي في «تعظيم الفتيا» (ص ٨٩).
(٥) في النسخ الخطية: «عتبة»، تصحيف.
(٦) «صفة الفتوى» (ص ١٠). وقد رواه ابن المبارك في «الزهد» (٥٢)، والفسوي (١/ ٤٩٠، ٤٩٣)، وابن عبد البر في «الجامع» (١٥٨٥)، وإسناده صحيح.
(٧) «صفة الفتوى» (ص ١٠). وقد رواه البخاري في «التاريخ الكبير» (٣/ ٥١١)، وابن سعد (٥/ ١٣٦)، وأبو نعيم (٢/ ١٦٤)، وإسناده صحيح.
وسئل الشافعي عن مسألة، فسكت. فقيل: ألا تجيب؟ فقال: حتى أدري: الفضلُ في سكوتي أو في الجواب١.
وقال ابن أبي ليلى: أدركتُ مائةً وعشرين من الأنصار من أصحاب رسول الله ﷺ، يُسأل أحدهم عن المسألة، فيردُّها هذا إلى هذا، وهذا إلى هذا، حتّى ترجعَ إلى الأول. وما منهم من أحد يحدث بحديث أو يُسأل عن شيء إلا ودَّ أن أخاه كفاه٢.
وقال أبو حَصِين٣ الأسدي: إن أحدهم لَيفتي في المسألة، لو وردَتْ على عمر بن الخطاب لجمَع لها أهلَ بدر٤.
وسئل القاسم بن محمد عن شيء، فقال: إني لا أحسنه. فقال له السائل: إني جئت إليك٥ لا أعرف غيرك. فقال له القاسم: لا تنظر إلى
(٢) «صفة الفتوى» (ص ٧). وقد رواه ابن المبارك في «الزهد» (٥٨)، والدارمي (١٣٧)، وأبو خيثمة في «العلم» (٢١) من طريق سفيان، عن عطاء بن السائب. وإسناده صحيح.
(٣) في النسخ الخطية: «الحسين»، والصواب ما أثبت من مصادر التخريج.
(٤) «صفة الفتوى» (ص ٧). رواه ابن بطة في «الحيل» (٧٢)، والبيهقي في «المدخل» (٨٠٣)، ابن عساكر (٣٨/ ٤١٠)، وإسناده صحيح.
(٥) أثبت في المطبوع: «دفعت إليك». وقال في التعليق: «كذا في (ق) ومصادر التخريج»، مع أن في «صفة الفتوى» (ص ٨) ــ وهو مصدر النقل ــ كما أثبتنا من النسخ الخطية. نعم، في «جامع بيان العلم» ومنه في «أدب المفتي» (ص ٧٨) كما ذكر هو.