هذا إذا كان رجوعه لمخالفة دليل شرعي. فإن كان رجوعه لمجرَّد ما بان له أن ما أفتى به١ خلافُ مذهبه لم يحرُم على المستفتي ما أفتاه به أولًا، إلا أن تكون المسألة إجماعية. فلو تزوَّج بفتواه ودخل، ثم رجع المفتي، لم يحرُم عليه إمساك امرأته إلا بدليل شرعي يقتضي تحريمها. ولا يجب عليه مفارقتها بمجرَّد رجوعه، ولا سيَّما إن كان إنما رجع لكونه تبيَّن له أن ما أفتى به خلافُ مذهبه، وإن وافق مذهب غيره. هذا هو الصواب.
وأطلق بعض أصحابنا وأصحاب الشافعي وجوبَ مفارقتها عليه، وحكوا في ذلك وجهين، ورجَّحوا وجوب المفارقة. قالوا: لأن المرجوع عنه ليس مذهبًا له، كما لو تغيَّر اجتهادُ من قلَّده في القبلة في أثناء الصلاة، فإنه يتحوَّل مع الإمام في الأصح٢.
فيقال لهم: المستفتي قد دخل بامرأته دخولًا صحيحًا سائغًا، ولم يقُمْ ما يوجب مفارقته لها من نصٍّ ولا إجماع، فلا يجب عليه مفارقتها بمجرَّد تغيُّر اجتهاد المفتي. وقد رجع عمر بن الخطاب ﵁ عن القول بالتشريك، وأفتى بخلافه، ولم يأخذ المال من الذين شرَّك بينهم أولًا٣.
وأما قياسكم ذلك على من تغيَّر اجتهاده في معرفة القبلة، فهو حجة عليكم؛ فإنه لا يبطل ما فعله المأموم بالاجتهاد الأول، ويلزمه التحوُّل ثانيًا لأنه مأمور بمتابعة الإمام. بل نظير مسألتنا: ما لو تغيَّر اجتهاده بعد الفراغ من الصلاة، فإنه لا تلزمه الإعادة، ويصلِّي الثانية بالاجتهاد الثاني.
(١) ك، ب: «أفتاه به»، وكذا في المطبوع.
(٢) انظر المصدرين المذكورين.
(٣) تقدَّم تخريجه.
وأما قول أبي عمرو بن الصلاح١، وأبي عبد الله بن حمدان٢ من أصحابنا: «إذا كان المفتي إنما يفتي على مذهب [٢٠٨/أ] إمام معيَّن، فإذا رجع لكونه بان له قطعًا أنه خالف في فتواه نصَّ مذهب إمامه، فإنه يجب نقضُه، وإن كان ذلك في محل الاجتهاد؛ لأن نصَّ مذهب إمامه في حقِّه كنصِّ الشارع في حقِّ المفتي المجتهد المستقل»؛ فليس كما قالا. ولم ينصَّ على هذه المسألة أحد من الأئمة، ولا تقتضيها أصول الشريعة. ولو كان نصُّ إمامه بمنزلة نصِّ الشارع لَحرُم عليه وعلى غيره مخالفته، وفسَقَ بخلافه.
ولم يوجب أحد من الأئمة نقضَ حكم الحاكم ولا إبطالَ فتوى المفتي بكونه خلاف قول زيد أو عمرو، ولا يُعلَم أحدٌ سوَّغ النقضَ بذلك من الأئمة والمتقدمين من أتباعهم، وإنما قالوا: يُنقَض من حكم الحاكم ما خالف نصَّ كتاب أو سنة أو إجماع الأمة، ولم يقل أحد: يُنقَض من حكمه ما خالف قول فلان أو فلان. وينقض من فتوى المفتي ما ينقض من حكم الحاكم، فكيف يسوغ نقضُ أحكام الحكام وفتاوى أهل العلم بكونها خالفت قولَ واحدٍ من الأئمة، ولا سيَّما إذا وافقت نصًّا عن رسول الله ﷺ أو فتاوى الصحابة؟ أيسوغ نقضُها لمخالفة قول فلان وحده، ولم يجعل الله ولا رسوله ولا أحد من الأئمة قولَ فقيه من الأمة بمنزلة نصِّ الله ورسوله بحيث يجب اتباعُه ويحرُم خلافه؟