بشيء فليرجع إليه. ثم لبث أيامًا لا يُفتي حتى وجد١ صاحبَ الفتوى، فأعلمه أنه قد أخطأ، وأن الصواب خلاف ما أفتاه به٢.
قال القاضي أبو يعلى في «كفايته»٣: من أفتى بالاجتهاد ثم تغيَّر اجتهاده لم يلزمه إعلامُ المستفتي بذلك إن كان قد عمل به، وإلا أعلَمه.
والصواب: التفصيل. فإن كان المفتي ظهر له الخطأ قطعًا بكونه٤ خالف نصَّ الكتاب أو السنة التي لا معارض لها، أو خالف إجماعَ الأمة، وجب عليه٥ إعلام المستفتي. وإن كان [٢٠٨/ب] إنما ظهر له أنه خالف مجرَّدَ مذهبه أو نصَّ إمامه لم يجب عليه إعلام المستفتي.
وعلى هذا تُخرَّج قصة ابن مسعود، فإنه لما ناظر الصحابةَ في تلك المسألة بيَّنوا له أن صريح الكتاب يحرِّمها، لكون الله أبهمها فقال: ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ﴾، وظنَّ عبد الله أن قوله: ﴿اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾[النساء: ٢٣] راجع إلى الأول والثاني. فبيَّنوا له أنه إنما يرجع إلى أمهات
(١) في النسخ المطبوعة: «جاء»، وفي مصادر التخريج كما أثبت من النسخ الخطية هنا وفيما سبق.
(٢) «أدب المفتي والمستفتي» (ص ١١٠). وقد رواه الخطيب في «الفقيه والمتفقه» (١٢٠٩) ــ وعنه ابن الجوزي في «تعظيم الفتيا» (٣٤) ــ من طريق علي بن محمد النخعي، عن محمد بن أحمد بن الحسن بن زياد، عن أبيه، وفيه مَن لا أعرف.
(٣) نقله منه ابن حمدان في «صفة الفتوى» (ص ٣١).
(٤) في النسخ المطبوعة: «لكونه».
(٥) في النسخ المطبوعة: «الأمة فعليه».
الربائب خاصّةً، فعرَف أنه الحقُّ، وأن القول بحِلِّها خلافُ كتاب الله، ففرَّق بين الزوجين. ولم يفرِّق بينهما بكونه تبيَّن له أن ذلك خلاف قول زيد أو عمرو. والله أعلم.
الفائدة الحادية والأربعون: إذا عمل المستفتي بفتيا مفتٍ في إتلاف نفس أو مال، ثم بان خطؤه.
فقال١ أبو إسحاق الإسفراييني من الشافعية: يضمن المفتي إن كان أهلًا للفتوى وخالف القاطعَ. وإن لم يكن أهلًا فلا ضمان عليه، لأن المستفتي قصَّر في استفتائه وتقليده٢. ووافقه على ذلك أبو عبد الله بن حمدان في كتاب «أدب المفتي والمستفتي»٣ له، ولم أعرف هذا لأحد من الأصحاب قبله. ثم حكى وجهًا آخر في تضمين من ليس بأهل، قال: لأنه تصدَّى لما ليس له بأهل، وغرَّ من استفتاه بتصدِّيه لذلك.
قلت: خطأ المفتي كخطأ الحاكم والشاهد، وقد اختلفت الرواية في خطأ الحاكم في النفس أو الطرف. فعن الإمام أحمد في ذلك روايتان٤، إحداهما: أنه في بيت المال، لأنه يكثر منه الحكم٥ فلو حملته العاقلة لكان
(١) في النسخ المطبوعة: «قال».
(٢) نقله عن أبي إسحاق أبو عمرو ابن الصلاح في «أدب المفتي» (ص ١١١).
(٣) في النسخ المطبوعة: «آداب ...». وهو مطبوع بعنوان «صفة الفتوى والمفتي والمستفتي» (ص ٣١).