أو مالًا؛ فإن كان المفتي أهلًا فلا ضمان عليه، والضمان على المستفتي. وإن لم يكن أهلًا فعليه الضمان، لقول النبي ﷺ: «من تطبَّب ولم يُعرَف منه طبٌّ فهو ضامن»١. وهذا يدل على أنه إذا عُرِف منه طبٌّ وأخطأ لم يضمن. والمفتي أولى بعدم الضمان من الحاكم والإمام، لأن المستفتي مخيَّر بين قبول فتواه وردِّها، فإن قوله لا يلزم، بخلاف حكم الإمام والحاكم٢.
وأما خطأ الشاهد، فإما أن يكونوا شهودًا بمال أو طلاق أو عتق أو حدٍّ أو قود، فإن بان خطؤهم قبل الحكم بذلك لم يحكم به٣. [٢٠٩/أ] فإن٤ بان بعد الحكم باستيفاء القوَد وقبل استيفائه لم يستوفَ قطعًا. وإن بان بعد استيفائه فعليهم دية ما تلف، ويتقسَّط الغرم على عددهم. وإن بان خطؤهم قبل الحكم بالمال لغَتْ شهادتهم ولم يضمنوا. وإن بان بعد الحكم به نُقِض حكمه، كما لو شهدوا بموت رجلٍ باستفاضة، فحكم الحاكم بقَسْمِ ميراثه، ثم بانت حياته، فإنه يُنقَض حكمه.
وإن بان خطؤهم في شهادة الطلاق من غير جهتهم، كما لو شهدوا أنه
(١) رواه أبو داود (٤٥٨٦)، والنسائي (٤٨٣٠)، وابن ماجه (٣٤٦٦) من طريق الوليد، عن ابن جريج، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده. وقال أبو داود: هذا لم يروه إلا الوليد، لا ندري هو صحيح أم لا. وقوَّى الدارقطني وابن حجر الإرسالَ. انظر: «سنن الدارقطني» (٣٤٣٩) و«بلوغ المرام» (٣٥٧). وهو ثابت عن عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز من قوله عند ابن أبي شيبة (٢٨١٦٤) وانظر ما بعده.
(٢) في النسخ المطبوعة: «الحاكم والإمام».
(٣) في النسخ المطبوعة: «قبل الحكم لم يحكم بذلك».
(٤) في النسخ المطبوعة: «وإن».
طلَّق يوم كذا وكذا، وظهر للحاكم أنه في ذلك اليوم كان محبوسًا لا يصل إليه أحد، أو كان مغمًى عليه= فحكمُ ذلك حكمُ ما لو بان كفرهم أو فسقهم، فيُنقَض١ حكمُه، وتُرَدُّ المرأة إلى الزوج ولو تزوجت بغيره؛ بخلاف ما إذا قالوا: رجعنا عن الشهادة، فإن رجوعهم إن كان قبل الدخول ضمنوا نصفَ المسمَّى، لأنهم قرَّروه عليه، ولا تعود إليه الزوجة إذا كان الحاكم قد٢ حكم بالفرقة. وإن رجعوا بعد الدخول، ففيه روايتان، إحداهما: أنهم لا يغرمون شيئًا، لأن الزوج استوفى المنفعة بالدخول، فاستقرَّ عليه عوضُها. والثانية: يغرمون المسمَّى كلَّه، لأنهم فوَّتوا عليه البُضْعَ بشهادتهم. وأصلها٣ أن خروج البضع من يد الزوج هل هو متقوِّم أم لا٤؟
وأما شهود العتق فإن بان خطؤهم تبيَّنَّا أنه لا عتق. وإن قالوا: رجعنا غرموا للسيِّد قيمة العبد.
الفائدة الثانية والأربعون: ليس للمفتي الفتوى في حال غضب شديد، أو جوع مفرط، أو همٍّ مقلق، أو خوف مزعج، أو نعاس غالب، أو شغلِ قلب مستولٍ عليه، أو حال مدافعة الأخبثين. بل متى أحسَّ من نفسه بشيء٥ من ذلك يُخرجه عن حال اعتداله وكمال تثبُّته وتبيُّنه٦ أمسك عن الفتوى. فإن