إعلام الموقعين

الثمار نوع واحد منها لا يعرفون غيره، أو حلف لا يلبس ثوبًا في بلدٍ عرفُهم من١ الثياب القُمُص وحدها دون الأردية والأُزُر والجِباب ونحوها= تقيَّدت يمينُه بذلك وحده في جميع هذه الصور، واختصَّت بعرفه دون موضوع اللفظ لغةً أو في عرف غيره.

بل لو قالت المرأة لزوجها الذي لا يعرف التكلُّم بالعربية ولا يفهمها: «قل لي: أنتِ طالق ثلاثًا»، وهو لا يعلم ما٢ موضوع هذه الكلمة، فقال لها= لم تطلُق قطعًا في حكم الله ورسوله.

وكذلك لو قال الرجل لآخر: «أنا عبدك ومملوكك» على جهة٣ الخضوع له كما يقوله الناس لم يستبح ملكَ رقبته بذلك. ومن لم يراع المقاصد والنيات والعرف في الكلام فإنه يلزمه أن يجوز له بيعُ هذا القائل وملكُ رقبته بمجرَّد هذا اللفظ.

وهذا باب عظيم يقع فيه المفتي الجاهل، فيغرُّ الناسَ، ويكذب على الله ورسوله، ويغيِّر دينه، ويحرِّم ما لم يحرِّمه الله، ويوجب ما لم يوجبه الله. والله المستعان.

الفائدة الرابعة والأربعون: يحرم عليه إذا جاءته مسألة فيها تحيُّل [على]٤ إسقاط واجب، أو تحليل محرَّم، أو مكر أو خداع= أن يعين

  1. (١) في النسخ المطبوعة: «في».
  2. (٢) «ما» ساقطة من النسخ المطبوعة.
  3. (٣) في المطبوع: «على سبيل».
  4. (٤) من النسخ المطبوعة.
125

المستفتي فيها، أو يرشده١ إلى مطلوبه، أو يفتيه بالظاهر الذي يتوصَّل به إلى مقصده. بل ينبغي له أن يكون بصيرًا بمكر الناس وخداعهم وأحوالهم. ولا ينبغي له أن يحسن الظن بهم، بل يكون حذِرًا فطِنًا، فقهُه٢ في أحوال الناس وأمورهم يوازن فقهَه٣ في الشرع؛ وإن لم يكن كذلك زاغ وأزاغ.

وكم من مسألة ظاهرها ظاهر جميل، وباطنها مكر وخداع وظلم! فالغِرُّ ينظر إلى ظاهرها، ويقضي بجوازه. وذو البصيرة ينقد مقصدها وباطنها. فالأول يروج عليه زغَلُ المسائل، كما يروج على الجاهل بالنقد زغلُ الدراهم. والثاني يُخرج زيفها، كما يُخرج الناقد زيف النقود.

وكم من باطل يُخرِجه الرجل بحسن لفظه وتنميقه وإبرازه في صورة حقٍّ! وكم من حقٍّ يُخرِجه بتهجينه وسوء [٢١٠/أ] تعبيره في صورة باطل! ومن له أدنى فطنة وخبرة لا يخفى عليه ذلك؛ بل هذا أغلب أحوال الناس، ولكثرته وشهرته يستغني عن الأمثلة. بل من تأمل المقالات الباطلة والبدع كلَّها وجدها قد أخرجها أصحابها في قوالب مستحسنة، وكسَوها ألفاظًا يقبلها بها من لم يعرف حقيقتها، ولقد أحسن القائل٤:

  1. (١) في النسخ المطبوعة: «ويرشده».
  2. (٢) ز: «فقيه»، تصحيف.
  3. (٣) في المطبوع: «فقيهًا بأحوال الناس وأمورهم يؤازره فقهٌ»، وفي الطبعات السابقة: «... فقهُه». والصواب ما أثبت من النسخ الخطية.
  4. (٤) هو ابن الرومي. انظر: «ديوانه» (٣/ ١١٤٤). وهي ثلاثة أبيات ذكرت في «وفيات الأعيان» (١/ ٣٣) وغيره دون عزو.
126

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي