تقول هذا جنيُّ النحل تمدحهوإن تشأ قلتَ ذا قيءُ الزنابير١
مدحًا وذمًّا وما جاوزتَ وصفهماوالحقُّ قد يعتريه سوءُ تعبير٢
ورأى بعض الملوك كأن أسنانه قد سقطت، فعبَّرها له معبِّرٌ بموت أهله وأقاربه؛ فأقصاه وطرَده. واستدعى آخر، فقال له: لا عليك، تكون أطولَ أهلِك عمرًا؛ فأعطاه وأكرمه وقرَّبه٣. فاستوفى المعنى، وغيَّر له العبارة، وأخرج المعنى في قالب حسن.
والمقصود أنه لا يحِلُّ له أن يفتي بالحيل المحرَّمة، ولا يعين عليها، ولا يدل عليها؛ فيضادَّ الله في أمره. قال تعالى: ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾[آل عمران: ٥٤]. وقال تعالى: ﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ ٥٠ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ﴾[النمل: ٥٠ - ٥١]. وقال تعالى: ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾[الأنفال: ٣٠]. وقال تعالى: ﴿وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ﴾[فاطر: ٤٣]. وقال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾[النساء: ١٤٢].
(١) «جنيُّ النحل» كذا في النسخ الخطية، و«مفتاح دار السعادة» (١/ ٣٩٧)، و«الصواعق المرسلة» (٣/ ٩٤٤). وفي النسخ المطبوعة: «جناء النحل»، وهو خطأ. ولعل بعضهم قرأ «جَنَى النحل» فرأى الوزن مكسورًا، فغيَّره. والرواية: «مُجاج النحل».
(٢) هذا البيت ملفَّق من بيتين، فالشطر الأول عجزه: سحرُ البيان يُرِي الظلماءَ كالنورِ وهو آخر الأبيات الثلاثة. والشطر الثاني صدره في «الديوان» وهو أول الأبياتِ: في زُخرف القول ترجيحٌ لقائله
(٣) انظر: «الإشارات» لغرس الدين ابن شاهين (ص ٨٧٣).
وفي «صحيح مسلم»٢ عن النبي ﷺ أنه قال: «ملعون من ضارَّ مسلمًا أو مكَر به».
وقال: «لا ترتكبوا ما ارتكبت اليهود، فتستحلُّوا محارمَ الله بأدنى الحِيَل»٣.
وقال: «المكر والخديعة في النار»٤.
وفي «سنن ابن ماجه»٥ وغيره عنه ﷺ: «ما بال أقوام يلعبون بحدود
(١) ز، ك: «وما يخادعون إلا أنفسهم»، وهي قراءة أبي عمرو والحرميين من السبعة. انظر: «الإقناع» لابن الباذش (٢/ ٥٩٧).
(٢) كذا في النسخ الخطية والمطبوعة. ولم يرد الحديث في «صحيح مسلم». وإنما رواه الترمذي (١٩٤١) وقال: حديث غريب.
(٣) تقدَّم تخريجه.
(٤) رواه ابن عدي في «الكامل» (٢/ ٥٨٤)، والبيهقي في «شعب الإيمان» (٥٢٦٨) من حديث قيس بن سعد. وقال ابن الملقن في «التوضيح» (١٤/ ٣٥٩) والحافظ في «الفتح» (٤/ ٣٥٦): وإسناده لا بأس به. وله شواهد، انظر: «الصحيحة» (١٠٥٧).
(٥) برقم (٢٠١٧) ورواه ابن حبان (٤٢٦٥)، والبيهقي (٧/ ٣٢٢) من حديث أبي موسى الأشعري، وفيه مؤمَّل، ضعيف. لكن تابعه أبو حذيفة عند البيهقي (٧/ ٣٢٢). قال البزار (٨/ ١١٦): «وهذا الحديث لا نعلم أحدًا أسنده عن أبي إسحاق عن أبي بردة عن أبي موسى إلا الثوري، ورواه عن الثوري مؤمَّل وأبو حذيفة». وحسنه شيخ الإسلام في «بيان الدليل» (٥١٢) والمؤلف في «إغاثة اللهفان» (١/ ٥٠٣).