أو يُسأل عن التيمم: هل يكفي بضربة واحدة إلى الكُوعين، فيقول: لا يكفي ولا يجزئ. وصاحب الشرع قد نصَّ على أنه يكفي نصًّا صريحًا صحيحًا١ لا مدفع له٢.
أو يُسأل عن بيع الرُّطَب بالتمر: هل يجوز؟ فيقول: نعم، يجوز. وصاحبُ الشرع يُسأل عنه فيقول: «لا آذن»٣.
أو يُسأَل عن رجلٍ أعتق ستةَ عبيد لا يملك غيرَهم عند موته: هل تكمل الحرية في اثنين منهم، أو يعتِقُ من كلِّ واحد سدسُه؟ فيقول: لا يجوز تكميل الحرية٤ في اثنين منهم. وقد أقرع بينهم رسول الله ﷺ، فكمَّل الحرية في اثنين، وأرقَّ [٢١٤/ب] أربعةً٥.
أو يُسأل عن القرعة: هل هي جائزة أم باطلة؟ فيقول: بل٦ هي باطلة، وهي من أحكام الجاهلية. وقد أقرَعَ رسولُ الله ﷺ، وأمرَ بالقرعة في غير موضع.
أو يُسأل عن الرجل يصلِّي خلف الصفِّ وحده: هل له صلاة أم لا٧؟ وهل يؤمر بالإعادة؟ فيقول: نعم، له صلاة، ولا يؤمر بالإعادة. وقد قال
(١) ب: «صحيحًا صريحًا»، وكذا في المطبوع.
(٢) سبق تخريجه.
(٣) سبق تخريجه.
(٤) في النسخ المطبوعة: «لا تكمل الحرية».
(٥) تقدَّم تخريجه.
(٦) في النسخ المطبوعة: «لا بل».
(٧) في النسخ المطبوعة بعدها زيادة: «صلاة له».
صاحب الشريعة: «لا صلاة له»، وأمره بالإعادة١.
أو يُسأل: هل للرجل رخصة في ترك الجماعة من غير عذر؟ فيقول: نعم له رخصة. ورسول الله ﷺ يقول: «لا أجد لك رخصة»٢.
أو يُسأل عن رجل أسلف رجلًا مالَه وباعه سلعةً: هل يحِلُّ ذلك؟ فيقول: نعم يحِلُّ ذلك. وصاحبُ الشرع يقول: «لا يحِلُّ سلف وبيع»٣.
ونظائر ذلك كثيرة جدًّا. وقد كان السلف الطيِّب يشتدُّ نكيرهم وغضبهم على من عارض حديثَ رسول الله ﷺ برأي أو قياس أو استحسان، أو قول أحد من الناس كائنًا من كان؛ ويهجرون فاعل ذلك. وينكرون على من يضرب له الأمثال، ولا يسوِّغون غيرَ الانقياد له والتسليم والتلقِّي بالسمع والطاعة. ولا يخطر بقلوبهم التوقُّف في قبوله حتى يشهد له عمل أو قياس أو يوافق قول فلان وفلان. بل كانوا عاملين بقوله: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾[الأحزاب: ٣٦]، وبقوله: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا
(١) تقدَّم تخريجه.
(٢) رواه بهذا اللفظ أحمد (١٥٤٩٠)، وأبو داود (٥٥٢)، وابن ماجه (٧٩٢)، من حديث ابن أبي مكتوم، فيه أبو رزين ــ مسعود بن مالك الأسدي ــ لم يسمع منه. انظر: «جامع التحصيل» (ص ٣٤٣) و«تهذيب التهذيب» (١٠/ ١١٩). ومع ذلك صححه ابن خزيمة (١٤٨٠)، والحاكم (١/ ٢٤٧)، وحسنه النووي في «المجموع» (٤/ ١٩١)، وابن الملقن في «تحفة المحتاج» (ص ٤٣٢). وأصل الحديث في مسلم (٦٥٣) من حديث أبي هريرة: «أتى النبيَّ ﷺ رجل أعمى ...».