إعلام الموقعين

صاحب الشريعة: «لا صلاة له»، وأمره بالإعادة١.

أو يُسأل: هل للرجل رخصة في ترك الجماعة من غير عذر؟ فيقول: نعم له رخصة. ورسول الله ﷺ يقول: «لا أجد لك رخصة»٢.

أو يُسأل عن رجل أسلف رجلًا مالَه وباعه سلعةً: هل يحِلُّ ذلك؟ فيقول: نعم يحِلُّ ذلك. وصاحبُ الشرع يقول: «لا يحِلُّ سلف وبيع»٣.

ونظائر ذلك كثيرة جدًّا. وقد كان السلف الطيِّب يشتدُّ نكيرهم وغضبهم على من عارض حديثَ رسول الله ﷺ برأي أو قياس أو استحسان، أو قول أحد من الناس كائنًا من كان؛ ويهجرون فاعل ذلك. وينكرون على من يضرب له الأمثال، ولا يسوِّغون غيرَ الانقياد له والتسليم والتلقِّي بالسمع والطاعة. ولا يخطر بقلوبهم التوقُّف في قبوله حتى يشهد له عمل أو قياس أو يوافق قول فلان وفلان. بل كانوا عاملين بقوله: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٣٦]، وبقوله: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا

  1. (١) تقدَّم تخريجه.
  2. (٢) رواه بهذا اللفظ أحمد (١٥٤٩٠)، وأبو داود (٥٥٢)، وابن ماجه (٧٩٢)، من حديث ابن أبي مكتوم، فيه أبو رزين ــ مسعود بن مالك الأسدي ــ لم يسمع منه. انظر: «جامع التحصيل» (ص ٣٤٣) و«تهذيب التهذيب» (١٠/ ١١٩). ومع ذلك صححه ابن خزيمة (١٤٨٠)، والحاكم (١/ ٢٤٧)، وحسنه النووي في «المجموع» (٤/ ١٩١)، وابن الملقن في «تحفة المحتاج» (ص ٤٣٢). وأصل الحديث في مسلم (٦٥٣) من حديث أبي هريرة: «أتى النبيَّ ﷺ رجل أعمى ...».
  3. (٣) تقدَّم تخريجه.
152

مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥]، وبقوله: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾ [الأعراف: ٣] وأمثالها. فدُفِعنا إلى زمانٍ إذا قيل لأحدهم: «ثبت عن النبي ﷺ أنه قال كذا وكذا» يقول: من قال بهذا؟ ويجعل هذا دفعًا في صدر الحديث، ويجعل جهله بالقائل به حجةً له في مخالفته وتركِ العمل به. ولو نصَح نفسه لعلم أن هذا الكلام من أعظم الباطل، وأنه لا يحِلُّ له دفعُ سنن رسول الله ﷺ بمثل هذا الجهل. وأقبح من ذلك عذره في جهله، إذ يعتقد أن الإجماع منعقد على مخالفة تلك السنة. وهذا سوءُ ظنٍّ بجماعة المسلمين، إذ ينسبهم إلى اتفاقهم على مخالفة سنة رسول الله ﷺ. وأقبح من ذلك عذره في دعوى هذا الإجماع، وهو جهلُه وعدمُ علمه بمن قال بالحديث، فعاد الأمر إلى تقديم جهله على السنة. والله المستعان.

ولا يُعرَف إمامٌ من أئمة الإسلام البتة قال: لا يُعمَل١ بحديث رسول الله ﷺ حتى يُعرَف مَن عمل به. فإن جهِل مَن بلغه الحديث مَن عمِلَ به لم يحِلَّ له أن يعمل به، كما يقول هذا القائل.

الفائدة الخامسة والخمسون: إذا سئل عن تفسير آية من كتاب الله أو سنةٍ عن رسول الله٢ ﷺ، فليس له أن يُخرجها عن ظاهرها بوجوه التأويلات الفاسدة لموافقة نِحلته وهواه. ومَن فعل ذلك استحقَّ المنعَ من الإفتاء، والحجرَ عليه. وهذا الذي ذكرناه هو الذي صرَّح به أئمة الإسلام [٢١٥/أ] قديمًا وحديثًا.

  1. (١) في النسخ المطبوعة: «لا نعمل»، وكذا «حتى نعرف» فيما يأتي.
  2. (٢) في النسخ المطبوعة: «سنة رسول الله».
153

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي