وقال: لقد اطلعتُ من أهل الكلام على شيءٍ ما كنتُ أظنُّه. وقال: لأن يُبتلى العبدُ بكلِّ شيء نُهي عنه غير الكفر أيسَرُ من أن يُبتلَى بالكلام٢.
وقال لحفص الفرد: أنا أخالفك في كلِّ شيء حتى في قول لا إله إلا الله. أنا أقول: لا إله إلا الله الذي يُرى في الآخرة، والذي كلَّم موسى تكليمًا. وأنت تقول: لا إله إلا الله الذي لا يُرى في الآخرة ولا يتكلَّم٣.
وقال البيهقي في «مناقبه»٤: ذكر الشافعيُّ إبراهيمَ بن إسماعيل بن عُليَّة، فقال: أنا مخالف له في كلِّ شيء، وفي قوله: لا إله إلا الله. لست أقول كما يقول. أنا أقول: لا إله إلا الله الذي كلَّم موسى من وراء حجاب، وذاك يقول: لا إله إلا الله الذي خلق كلامًا أسمَعَه موسى من وراء حجاب.
وقال في أول خطبة «رسالته»٥: «الحمد لله الذي هو كما وصف به نفسَه، وفوق ما يصفه به الواصفون من خلقه». وهذا تصريح بأنه لا يوصف إلا بما وصف به نفسه، وأنه يتعالى ويتنَّزه عما يصفه به المتكلمون وغيرهم مما لم يصِفْ به نفسه.
(١) انظر: «مناقب الشافعي» للبيهقي (١/ ٤٦٢).
(٢) انظر المصدر السابق (١/ ٤٥٣ - ٤٥٤).
(٣) لم أقف عليه. أما مناظرة الشافعي لحفص الفرد في خلق القرآن فهي مشهورة.
(٤) (١/ ٤٠٩).
(٥) النص في «الرسالة» المطبوعة (ص ٨): «... يصفه به خلقُه». وقبله: «ولا يبلغ الواصفون كنه عظمته».
وقال أبو نصر أحمد بن محمد بن حامد١ السِّجزي: سمعتُ أبي يقول: قلت لأبي العباس بن سريج: ما التوحيد؟ فقال: توحيد أهل العلم وجماعة المسلمين: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله. وتوحيدُ أهل الباطل: الخوضُ في الأعراض والأجسام، وإنما بُعِث رسول الله ﷺ بإنكار ذلك٢.
وقال بعض أهل العلم: كيف لا يخشى الكذبَ على الله ورسوله من يحمل كلامه على التأويلات المستنكرة والمجازات المستكرهة التي هي بالألغاز والأحاجي أولى منها بالبيان والهداية؟ وهل يأمن على نفسه أن يكون ممن قال الله فيهم: ﴿وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ﴾[الأنبياء: ١٨]؟ قال الحسن: هي والله [٢١٦/أ] لكلِّ واصفٍ كذبًا إلى يوم القيامة٣. وهل يأمن أن يتناوله قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ﴾[الأعراف: ١٥٢]؟ قال ابن عيينة: هي لكلِّ مفترٍ من هذه الأمة إلى يوم القيامة٤.
وقد نزَّه سبحانه نفسه عن كلِّ ما يصفه به خلقُه إلا المرسلين، فإنهم إنما يصفونه بما أذِن لهم أن يصفوه به، فقال تعالى: ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا
(١) كذا في النسخ الثلاث ومصادر التوثيق. وفي النسخ المطبوعة: «خالد».
(٢) رواه عن أبي نصر السجزي أبو عبد الرحمن السلمي في «ردِّه على أهل الكلام» كما في «منتخب أبي الفضل المقرئ» (ص ٨٦ - ٨٧). ومن طريق السلمي في «الحجة» للتيمي (ص ١٠٧) و«ذم الكلام وأهله» للهروي (٤/ ٣٨٥ - ٣٨٦).
(٣) رواه ابن أبي شيبة (٣٦٣٦٩)، والبيهقي في «الشعب» (٤٥٦٣) من طريق حماد بن زيد، عن أيوب، عن الحسن، وإسناده صحيح.
(٤) لم أجده مسندًا، وقد عزاه السيوطي في «الدر المنثور» (٣/ ٥٦٥) إلى أبي الشيخ.