إعلام الموقعين

مزاجٍ كان به ليس يعرض إلا للأقلِّ من الناس، فزعم أن بعض تلك الأدوية التي١ صرَّح باسمه٢ الطبيبُ الأول في ذلك الدواء العامِّ المنفعة لم يُرِد به ذلك الدواء العامَّ الذي جرت العادة في اللسان أن يدل بذلك الاسم عليه، وإنما أراد به دواءً آخر مما يمكن أن يدل عليه بذلك باستعارة بعيدة. فأزال ذلك الدواء الأول من ذلك المركَّب الأعظم، وجعل فيه بدله الدواءَ الذي ظنَّ أنه قصده الطبيب، وقال للناس: هذا هو الذي قصده الطبيب الأول. فاستعمل الناس ذلك الدواء المركَّب على الوجه الذي تأوله عليه هذا المتأوِّل، ففسدت أمزجة كثير من الناس. فجاء آخرون، فشعروا بفساد أمزجة الناس من ذلك الدواء المركَّب، فراموا إصلاحه بأن بدَّلوا بعض أدويته بدواء آخر غير الدواء الأول، فعرض من ذلك للناس نوعٌ من المرض غير النوع الأول.

فجاء ثالث، فتأول في أدوية ذلك المركب غير التأويل الأول والثاني، فعرض من ذلك للناس٣ نوع ثالث من المرض غير النوعين المتقدمين. فجاء متأول رابع، فتأول دواءً آخر غير الأدوية المتقدمة؛ فعرض منه للناس نوع رابع من المرض غير الأمراض المتقدمة.

  1. (١) كذا في النسخ الخطية والمطبوعة، و«درء التعارض» (٦/ ٢٢٠)، وكذا في مطبوعة «الكشف» نفسه، وهو غريب! فإن الصواب: «الذي»، وهو صفة لكلمة «بعض»، والعائد: الضمير المذكر في «باسمه». وكذا في «مختصر الصواعق» (١/ ١٥٢).
  2. (٢) في النسخ المطبوعة: «باسمها»، والظاهر أن بعض الناشرين غيَّر ما في النسخة من أجل «التي» غير ناظر إلى تذكير الدواء المقصود من ذلك الدواء العامّ المركَّب في سائر الكلام الآتي.
  3. (٣) ب: «للناس من ذلك»، وكذا في النسخ المطبوعة. والمثبت من (ز، ك) موافق لما في مصدر النقل.
166

فلما طال الزمان بهذا الدواء المركَّب الأعظم، وسلَّط الناس التأويل على أدويته، وغيَّروها وبدَّلوها= عرض منه للناس أمراض شتَّى، حتى فسدت [٢١٧/ب] المنفعة المقصودة بذلك الدواء المركب في حقِّ أكثر الناس. وهذه هي حالة الفرق الحادثة في هذه الشريعة١ مع الشريعة، وذلك أن كلَّ فرقة منهم تأولت غير التأويل الذي تأولته الفرقة الأخرى، وزعمت أنه هو الذي قصده صاحبُ الشرع، حتى تمزَّق الشرعُ كلَّ ممزَّق، وبعد جدًّا عن موضوعه٢ الأول.

ولما علم صاحبُ الشرع صلوات الله وسلامه عليه أن مثل هذا يعرض ــ ولا بدَّ ــ في شريعته قال: «ستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة، كلُّها في النار إلا واحدة»٣، يعني بالواحدة: التي سلكت ظاهر الشرع، ولم تؤوِّله.

وأنت إذا تأمَّلتَ ما عرض في هذه الشريعة في هذا الوقت من الفساد العارض فيها من قبل التأويل تبيَّنتَ أن هذا المثال صحيح.

وأول من غيَّر هذا الدواء الأعظم هم الخوارج، ثم المعتزلة بعدهم، ثم الأشعرية، ثم الصوفية. ثم جاء أبو حامد، فطمَّ الوادي على القَريِّ٤.

  1. (١) أثبت في المطبوع: «الطريقة»، وأحال على «الكشف». وفي الطبعة التي بين يديَّ كما هنا وفي «درء التعارض» (٦/ ٢٢١) و«الصواعق» (٢/ ٤١٥).
  2. (٢) ب: «موضعه»، وكذا في طبعة «الكشف»، ولعله تحريف. وفي «درء التعارض» (٦/ ٢٢٢) و«الصواعق» (٢/ ٤١٦) كما أثبت من (ز، ك).
  3. (٣) رواه أحمد (١٢٢٠٨، ١٢٤٧٩)، وابن ماجه (٣٩٩٣) من حديث أنس، والحديث حسن بشواهده. انظر: «السلسلة الصحيحة» (٢٠٣) وتعليق محققي «المسند».
  4. (٤) سبق هذا المثل قريبًا.
167

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي