إعلام الموقعين

فلما طال الزمان بهذا الدواء المركَّب الأعظم، وسلَّط الناس التأويل على أدويته، وغيَّروها وبدَّلوها= عرض منه للناس أمراض شتَّى، حتى فسدت [٢١٧/ب] المنفعة المقصودة بذلك الدواء المركب في حقِّ أكثر الناس. وهذه هي حالة الفرق الحادثة في هذه الشريعة١ مع الشريعة، وذلك أن كلَّ فرقة منهم تأولت غير التأويل الذي تأولته الفرقة الأخرى، وزعمت أنه هو الذي قصده صاحبُ الشرع، حتى تمزَّق الشرعُ كلَّ ممزَّق، وبعد جدًّا عن موضوعه٢ الأول.

ولما علم صاحبُ الشرع صلوات الله وسلامه عليه أن مثل هذا يعرض ــ ولا بدَّ ــ في شريعته قال: «ستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة، كلُّها في النار إلا واحدة»٣، يعني بالواحدة: التي سلكت ظاهر الشرع، ولم تؤوِّله.

وأنت إذا تأمَّلتَ ما عرض في هذه الشريعة في هذا الوقت من الفساد العارض فيها من قبل التأويل تبيَّنتَ أن هذا المثال صحيح.

وأول من غيَّر هذا الدواء الأعظم هم الخوارج، ثم المعتزلة بعدهم، ثم الأشعرية، ثم الصوفية. ثم جاء أبو حامد، فطمَّ الوادي على القَريِّ٤.

  1. (١) أثبت في المطبوع: «الطريقة»، وأحال على «الكشف». وفي الطبعة التي بين يديَّ كما هنا وفي «درء التعارض» (٦/ ٢٢١) و«الصواعق» (٢/ ٤١٥).
  2. (٢) ب: «موضعه»، وكذا في طبعة «الكشف»، ولعله تحريف. وفي «درء التعارض» (٦/ ٢٢٢) و«الصواعق» (٢/ ٤١٦) كما أثبت من (ز، ك).
  3. (٣) رواه أحمد (١٢٢٠٨، ١٢٤٧٩)، وابن ماجه (٣٩٩٣) من حديث أنس، والحديث حسن بشواهده. انظر: «السلسلة الصحيحة» (٢٠٣) وتعليق محققي «المسند».
  4. (٤) سبق هذا المثل قريبًا.
167

هذا كلامه بلفظه١.

ولو ذهبنا نستوعب ما جناه التأويل على الدنيا والدين وما نال الأممَ قديمًا وحديثًا بسببه من الفساد لاستدعى ذلك عدَّة أسفار٢. والله المستعان.

الفائدة السادسة والخمسون: لا يجوز له٣ العمل بمجرد فتوى المفتي إذا لم تطمئنَّ نفسه، وحاك في صدره من فتواه٤، وتردَّد فيها، لقوله ﷺ: «استفتِ نفسَك ... وإن أفتاك الناس وأفتَوك»٥، فيجب عليه أن يستفتي نفسه أولًا. ولا تخلِّصه فتوى المفتي من الله إذا كان يعلم أن الأمر في الباطن بخلاف ما أفتاه، كما لا ينفعه قضاء القاضي له بذلك، كما قال النبي ﷺ: «من قضيتُ له بشيء من حقِّ أخيه فلا يأخذه، فإنما أقطع له قطعة من نار»٦.

والمفتي والقاضي في هذا سواء. فلا يظنَّ٧ المستفتي أن مجرَّدَ فتوى الفقيه تبيح له ما سأل عنه، إذا كان يعلم أن الأمر بخلافه في الباطن، سواء

  1. (١) نقله المؤلف في «الصواعق» (٢/ ٤٠٤ - ٤١٧) بأطول مما هنا. وانظر: «درء التعارض» (٦/ ٢١٢ - ٢٢٢).
  2. (٢) وقال في «شفاء العليل» (ص ٨٢): «وسنفرد إن شاء الله كتابًا نذكر فيه جناية المتأويلن على الدنيا والدين». وانظر: «ابن قيم الجوزية» للشيخ بكر أبو زيد (ص ٢٤٨).
  3. (٣) «له» ساقط من النسخ المطبوعة.
  4. (٤) ب: «قبوله»، وكذا في النسخ المطبوعة. والظاهر أنه تصحيف ما أثبت من ز.
  5. (٥) تقدَّم تخريجه.
  6. (٦) تقدَّم تخريجه.
  7. (٧) في النسخ المطبوعة: «ولا يظن».
168

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي