إعلام الموقعين

تردَّد أو حاك في صدره لعلمه بالحال في الباطن، أو لشكِّه فيه، أو لجهله به، أو لعلمه جهلَ المفتي، أو محاباتَه في فتواه، أو عدمَ تقيُّده١ بالكتاب والسنة، أو لأنه معروف بالفتوى بالحيل والرُّخَص المخالفة للسنة وغير ذلك، من الأسباب المانعة من الثقة بفتواه وسكون النفس إليها. فإن كان عدمُ الثقة والطمأنينة لأجل المفتي سأل ثانيًا وثالثًا حتى تحصل له الطمأنينة٢. فإن لم يجد فلا يكلِّف الله نفسًا إلا وسعها، والواجب تقوى الله بحسب الاستطاعة.

فإن كان في البلد مفتيان أحدهما أعلم من الآخر، فهل يجوز استفتاء المفضول مع وجود الفاضل؟ فيه قولان للفقهاء، وهما وجهان لأصحاب الشافعي وأحمد. فمن جوَّز ذلك رأى أنه يُقبَل قولُه إذا كان وحده، فوجود من هو أفضل منه لا يمنع من قبول قوله كالشاهد. ومن منع استفتاءه قال: المقصود حصول ما يغلِّب على الظن الإصابة، وغلبةُ الظن بفتوى الأعلم أقوى، فيتعيَّن. والحقُّ: التفصيل بأن المفضول إن ترجَّح بديانة [٢١٨/أ] وورع وتحرٍّ٣ للصواب، وعدِمَ ذلك الفاضلُ، فاستفتاء المفضول جائز إن لم يتعيَّن. وإن استويا فاستفتاءُ الأعلم أولى٤. والله أعلم.

الفائدة السابعة والخمسون: إذا لم يعرف المفتي لسان السائل، أو لم يعرف المستفتي لسان المفتي، أجزأ ترجمةُ واحد بينهما، لأنه خبر محض

  1. (١) في النسخ المطبوعة: «تقييده».
  2. (٢) انظر: «صفة الفتوى» (ص ٥٦).
  3. (٣) في النسخ المطبوعة: «أو ورع أو تحرٍّ».
  4. (٤) انظر: «أدب المفتي والمستفتي» (ص ١٣٤).
169

فيكتفَى فيه بواحد، كأخبار الديانات١. وطردُ هذا الاكتفاء بترجمة الواحد في الجرح والتعديل، والرسالة، والدعوى، والإقرار والإنكار بين يدي الحاكم، والتعريف، في إحدى الروايتين. وهي مذهب أبي حنيفة، واختارها أبو بكر إجراءً لها مجرى الخبر٢.

والرواية الثانية: لا يقبل في هذه المواضع أقلُّ من اثنين، إجراءً لها مجرى الشهادة، وسلوكًا بها سبيلها، لأنها تُثبت الإقرار عند الحاكم، وتُثبت عدالة الشهود وجرحهم، فافتقرت إلى العدد؛ كما لو شهد على إقراره شاهد واحد، فإنه لا يكتفى به. وهذا بخلاف ترجمة الفتوى والسؤال، فإنه خبر محض، فافترقا.

الفائدة الثامنة والخمسون: إذا كان السؤال محتملًا لصور عديدة، فإن لم يعلم٣ الصورةَ المسؤولَ عنها لم يُجب عن صورة واحدة منها. وإن علم الصورة المسؤول عنها فله أن يخصَّها بالجواب، ولكن يقيِّد لئلا يتوهم أن الجواب عن غيرها، فيقول: إن كان الأمر كيت وكيت، أو كان المسؤول عنه كذا وكذا، فالجواب كذا٤. وله أن يُفرد كلَّ صورة بجواب، فيفصِّل الأقسام المحتملة، ويذكر حكمَ كلِّ قسم.

ومنع بعضهم من ذلك لوجهين. أحدهما: أنه ذريعة إلى تعليم الحِيَل، وفتحُ بابٍ لدخول المستفتي وخروجه من حيث شاء. الثاني: أنه سبب

  1. (١) بعده في النسخ المطبوعة زيادة: «والطب».
  2. (٢) يعني: أبا بكر عبد العزيز غلام الخلال. انظر: «المغني» (١٤/ ٨٤).
  3. (٣) في النسخ المطبوعة بعدها زيادة: «المفتي».
  4. (٤) في النسخ المطبوعة: «كذا وكذا».
170

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي