لازدحام أحكام تلك الأقسام على فهم العامِّي، فيضيع مقصوده١.
والحقُّ: التفصيل. فيكره حيث استلزم ذلك، ولا يكره ــ بل يستحَبُّ ــ إذا كان فيه زيادة إيضاح وبيان، وإزالة لبس. وقد فصَّل النبيُّ ﷺ في كثير من أجوبته بقوله: إن كان كذا فالأمر كذا، كقوله في الذي وقع على جارية امرأته: إن كان استكرهها فهي حُرَّة، وعليه لسيدتها مثلُها، وإن كانت مطاوعتَه٢ فهي [له، وعليه لسيدتها مثلُها]٣.
الفائدة التاسعة والخمسون، وهي مما ينبغي التفطن له: إن رأى المفتي خلال السطور بياضًا يحتمل أن يُلحَق به ما يُفسد الجواب فليحترز منه، فربما دخل من ذلك عليه مكروه. فإما أن يأمره٤ بكتابة غير الورقة، وإما أن يخُطَّ على البياض أو يشغله بشيء، كما يحترز منه كُتَّابُ الوثائق والمكاتيب٥.
وبالجملة، فليكن حذرًا فطنًا، ولا يُحسن ظنه بكلِّ أحد. وهذا الذي حمل بعضَ المفتين على أنه كان يقيِّد السؤال عنده في ورقة، ثم يجيب في ورقة السائل. ومنهم من كان [٢١٨/ب] يكتب السؤال في ورقة من عنده، ثم
(٢) كذا في النسخ. وقد سبق الحديث غير مرة بلفظ «طاوعته».
(٣) في موضع ما بين المعقوفين بياض في النسخ الثلاث. وقد أكمل الحديث في النسخ المطبوعة مع زيادة: «وهذا كثير في فتاويه ﷺ» أخذًا مما سبق في الفائدة الثامنة عشرة فيما أظن.
يكتب الجواب. وليس شيء من ذلك بلازم، والاعتماد على قرائن الأحوال ومعرفة الواقع والعادة.
الفائدة الستون: إن كان عنده من يثق بعلمه ودينه، فينبغي له أن يشاوره١. ولا يستقلَّ بالجواب ذهابًا بنفسه، وارتفاعًا بها أن يستعين على الفتاوى بغيره من أهل العلم. وهذا من الجهل، فقد أثنى سبحانه على المؤمنين بأنَّ أمرهم شورى بينهم، وقال لنبيِّه ﷺ: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾[آل عمران: ١٥٩].
وقد كانت المسألة تنزل بعمر بن الخطاب ﵁، فيستشير لها من حضر من الصحابة، وربما جمعهم وشاورهم، حتى كان يشاور ابنَ عباس وهو إذ ذاك أحدَثُ القوم سنًّا. وكان يشاور عليًّا وعثمان وطلحة والزبير وعبد الرحمن بن عوف وغيرهم٢، ولا سيَّما إذا قصَد بذلك تمرينَ أصحابه، وتعليمهم، وشحذ أذهانهم.
قال البخاري في «صحيحه»٣: «باب إلقاء العالمِ المسألةَ على أصحابه»٤.
(٢) رواه الرامهرمزي في «المحدث الفاصل» (١٩٣)، والبيهقي في «المدخل» (٨٠٣)، وهو ثابت عنه في غير قصة، وتقدم البعض.
(٣) في كتاب العلم قبل الحديث (٦١).
(٤) كذا في النسخ الخطية والمطبوعة. ولفظ الباب في «الصحيح»: «باب طرح الإمام المسألة على أصحابه ليختبر ما عندهم من العلم» ولم ترد إشارة إلى اختلاف في اللفظ في النسخ المذكورة في الطبعة الأميرية (١/ ٢٢).