وقال مالك للشافعي ﵄ في أول ما لقيه: إني أرى الله قد ألقى على قلبك نورًا، فلا تطفئه بظلمة المعصية٢.
وقد قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا﴾[الأنفال: ٢٩] ومن الفرقان: النور الذي يفرِّق به العبدُ بين الحق والباطل، وكلما كان قلبه أقرب إلى الله كان فرقانه أتمَّ. وبالله التوفيق.
الفائدة الثانية والستون: قد تكرَّر لكثير من أهل الإفتاء الإمساكُ عما يفتون بها مما يعلمون أنه الحق، إذا خالف غرضَ السائل ولم يوافقه. وكثير منهم يسأله عن غرضه، فإن صادفه عنه كتَب له، وإلا دلَّه على مفتٍ أو مذهبٍ يكون غرضه عنده. وهذا غير جائز على الإطلاق، بل لا بدَّ فيه من تفصيل:
فإن كان المسؤول عنه من مسائل العلم والسنة والمسائل العمليات٣ التي فيها نصٌّ عن رسول الله ﷺ لم يسَع المفتيَ تركُه إلى غرض السائل، بل لا يسعه توقفُه في الإفتاء به على غرض السائل، بل ذلك إثم عظيم. وكيف يسعه من الله أن يقدِّم غرضَ السائل على الله ورسوله؟
وإن كانت المسألة من المسائل الاجتهادية التي يتجاذب أعِنَّتَها الأقوال
(١) لم أجده، وهو أبعد شيء من كلام عمر بن الخطاب أو غيره من الصحابة، وإنما هو من كلام بعض المتصوفة، ولا أدري كيف ذهب ذلك على المصنف.
(٢) «مناقب الشافعي» (١/ ١٠٤).
(٣) ز: «العلميات». وفي النسخ المطبوعة: «أو من المسائل ...».
والأقيسة، فإن لم يترجَّح له قول منها لم يسَعْ له أن يرجِّح بغرض١ السائل. وإن ترجَّح له قول منها وظنَّ أنه الحق فأولى بذلك، فإن السائل إنما يسأل عما يلزمه في الحكم ويسعه عند الله. فإن عرفه المفتي أفتاه به سواءً وافق غرضَه أو خالفه. ولا يسعه ذلك أيضًا إذا علم أن السائل يدور على من يفتيه بغرضه في تلك المسألة، فيجعل استفتاءه تنفيذًا لغرضه، لا تعبُّدًا لله بأداء حقِّه. ولا يسعه أن يدلَّه على غرضه أين كان، بل ولا يجب عليه أن يفتي هذا الضربَ من الناس؛ فإنهم لا يستفتون ديانةً، وإنما يستفتون توصُّلًا إلى حصول أغراضهم بأيِّ طريق اتفق٢. فلا يجب على المفتي مساعدتهم، فإنهم لا يُربُّون٣ الحقَّ، بل يُربُّون أغراضهم٤. ولهذا إذا وجدوا أغراضهم في أيِّ مذهب اتفق اتبعوه في ذلك الموضع، وتمذهبوا به، كما يفعله أرباب الخصومات بالدعاوى عند الحكام. ولا يقصد أحدهم حاكمًا بعينه، بل أيُّ حاكم نفذ غرضه عنده صار إليه.
وقال شيخنا مرةً: أنا مخيَّر بين [٢١٩/ب] إفتاء هؤلاء وتركهم، فإنهم لا يستفتون للدين، بل لوصولهم إلى أغراضهم حيث كانت، ولو وجدوها عند غيري لم يجيئوا إليَّ، بخلاف من يسأل عن دينه. وقد قال الله تعالى لنبيِّه في
(١) في المطبوع: «لغرض».
(٢) ك، ب: «وافق»، وكذا في المطبوع.
(٣) كذا في ز، ب هنا وفي الجملة التالية، وقد ضبط في ز بضم الراء والباء. فإن صح، فلعله من قولهم: يُربُّون العلَم، أي يقومون به. وفي ك: «يرون» في الموضعين. وفي النسخ المطبوعة: «يريدون».
(٤) في النسخ المطبوعة بعده زيادة: «بأي طريق وافق».