والثاني: أنه يلزمه إذا شرع في العمل، فلا يجوز له حينئذ الترك.
والثالث: أنه إن وقع في قلبه صحة فتواه وأنها حقٌّ لزمه العمل بها.
والرابع: أنه إذا لم يجد مفتيًا آخر لزمه الأخذ بفتياه، فإن فرضه التقليد وتقوى الله ما استطاع، وهذا هو المستطاع في حقِّه، وهو غاية ما يقدر عليه. وإن وجد مفتيًا آخر، فإن وافق الأول فأبلغ في لزوم العمل. وإن خالفه، فإن استبان له الحق في إحدى الجهتين لزمه العمل به. وإن لم يستبن له الصواب فهل يتوقَّف، أو يأخذ بالأحوط، أو يتخيَّر، أو يأخذ بالأسهل؟ فيه وجوه تقدَّمت.
الفائدة التاسعة والستون: يجوز له العمل بخط المفتي وإن لم يسمع الفتوى من لفظه، إذا عرف أنه خطُّه، أو أعلَمَه به من يسكن إلى قوله. ويجوز له قبول قول الرسول: إن هذا خطُّه، وإن كان عبدًا أو امرأةً أو صبيًّا أو فاسقًا؛ كما يقبل قوله في الهدية والإذن في دخول الدار اعتمادًا على القرائن والعرف.
وكذا يجوز اعتماد الرجل على ما يجده من كتاب الوقف١ على كتاب أو رباط، أو خان ونحوه٢، فيدخله، وينتفع به. وكذا يجوز له الاعتماد على ما يجده بخطِّ أبيه في برنامجه٣ أن له على فلان كذا وكذا، فيحلف على الاستحقاق. وكذا يجوز للمرأة الاعتماد على خطِّ الزوج أنه أبانها، فلها أن
(١) ك، ب: «كتابة الوقف»، وكذا في النسخ المطبوعة.
(٢) في النسخ المطبوعة: «أو نحوه».
(٣) «البرنامج»: الورقة الجامعة للحساب. معرَّب عن «برنامَك» بالكاف الفارسية. وبالفارسية الحديثة: برنامه.
تتزوَّج بناءً على الخط. وكذا الوصي والوارث يعتمد على خطِّ الموصي، فينفِّذ ما فيه، وإن لم يشهد شاهدان. وكذا إذا كتب الراوي إلى غيره حديثًا جاز له أن يعتمد عليه ويعمل به، ويرويه بناءً على الخط إذا تيقَّن ذلك كلَّه.
هذا عمل الأمة قديمًا وحديثًا من عهد نبيِّها١ﷺ وإلى الآن، وإن أنكره من أنكره. ومن العجب أن من أنكر ذلك وبالغ في إنكاره، ليس معه فيما يفتي به ويقضي به إلا مجرَّد كتابٍ قيل: إنه كتاب فلان، فهو يقضي به ويفتي به٢، ويُحِلُّ ويحرِّم، ويقول: هكذا في الكتاب. والله الموفِّق٣. وقد كان رسول الله ﷺ يرسل كتبه إلى الملوك وإلى الأمم يدعوهم إلى الإسلام فتقوم عليهم الحجة بكتابه. وهذا أظهر من أن ينكر. وبالله التوفيق.
الفائدة السبعون: إذا حدثت حادثة ليس فيها قول لأحد من العلماء، فهل يجوز الاجتهاد فيها بالإفتاء والحكم أم لا؟
فيه ثلاثة أوجه٤:
أحدها: يجوز. وعليه تدل فتاوى الأئمة وأجوبتهم، فإنهم كانوا يُسألون عن حوادث لم تقع قبلهم، فيجتهدون فيها. وقد قال النبي ﷺ: «إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر»٥. وهذا يعُمُّ ما
(١) في النسخ المطبوعة: «نبينا».
(٢) «به» ساقط من النسخ المطبوعة.
(٣) كذا في النسخ الخطية والمطبوعة، وكأن ما بعده أضافه المؤلف فيما بعد ونسي أن يحذف «والله الموفق» من هنا. وقد سبق مثل ذلك.
(٤) انظر: «صفة الفتوى» (ص ١٠٤ - ١٠٥).
(٥) رواه البخاري (٧٣٥٢) ومسلم (١٧١٦) من حديث عمرو بن العاص.