وقال سعيد بن منصور: ثنا خلَف بن خليفة، ثنا أبو يزيد٢ عن الشعبي قال: قال ابن مسعود: إياكم وأرأيت، أرأيت؛ فإنما هلك من كان قبلكم بأرأيتَ، أرأيت. ولا تقيسوا شيئًا، فتزِلَّ قدمٌ بعد ثبوتها. وإذا سئل أحدكم عما لا يعلم فليقل: لا أعلم، فإنه ثلث العلم٣.
وصح عنه في المفوضة٤ أنه قال: أقول فيها برأيي، فإن يكن صوابًا فمن الله، وإن يكن خطأً فمنِّي ومن الشيطان، والله ورسوله منه بريء٥.
(١) انظر ما علَّقت آنفًا.
(٢) في النسخ: "أبو زيد"، والصواب ما أثبت من المصادر.
(٣) رواه الطبراني في "المعجم الكبير" (٨٥٥٠)، وأبو إسماعيل الهروي في "ذم الكلام" (٢٨٦) من طريق سعيد بن منصور به، وأبو يزيد كنية جابر الجعفي، وهو واهٍ متروك. وقد رواه الطبراني (٩٠٨١) من طريق يحيى الحماني، عن قيس (وهو ابن الربيع)، عن جابر (وهو الجعفي)، عن الشعبي، عن مسروق، عن ابن مسعود مختصرا، وهذا أوهى من الذي قبله. وقد يكون من تلوّن الجعفي واضطرابه، ووازِن بـ"الحلية" لأبي نعيم (٤/ ٣١٩)، و"الفقيه والمتفقه" للخطيب (١/ ٤٥٨).
(٤) بكسر الواو وفتحها، وهي التي زوجت بلا مهر، وسيأتي رأي ابن مسعود في المفوضة مرّات أخرى.
(٥) رواه أحمد (٤٠٩٩، ٤٢٧٦، ١٨٤٦٠)، وأبو داود (٢١١٦)؛ من حديث عبد الله بن عتبة بن مسعود، عن ابن مسعود، وله طريق أخرى عند النسائي في "السنن الكبرى" (٥٤٩٤)، و"المجتبى" (٣٣٥٨)، والأثر صحيح، صحّحه جماعة من الحفاظ، منهم: ابن الأخرم، وتلميذه الحاكم في "المستدرك" (٢/ ١٨١)، والبيهقي في "السنن الكبير" (٧/ ٢٤٦). ويُنظر للفائدة: "العلل" للدارقطني (١٤/ ٤٧ - ٥٢).
قول عثمان بن عفان ﵁:
قال محمد بن إسحاق: حدثني يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير١، عن عبد الله بن الزبير قال: أنا والله مع عثمان بن عفان بالجُحْفة إذ قال عثمان، وذُكِر٢ له التمتُّع بالعمرة إلى الحج: أتِمُّوا الحجَّ، وأخلصوه في أشهر الحج، فلو أخَّرتم هذه العمرة حتى تزوروا هذا البيت زَورتَين كان أفضل، فإنَّ الله قد أوسعَ في الخير. فقال له علي: عمدتَ إلى سنة رسول الله ﷺ ورخصةٍ رخَّص الله للعباد بها٣ في كتابه، تضيِّقُ عليهم فيها، وتنهى عنها، وكانت لذي الحاجة والنائي الدار٤؟ ثم أهلَّ عليٌّ بعمرة وحجٍّ معًا. فأقبل عثمان بن عفان ﵁ على الناس فقال: أنهيتُ عنها؟ إنِّي لم أنهَ عنها. إنما كان رأيًا أشرتُ به، فمن شاء أخذه ومن شاء تركه٥.
فهذا عثمان يُخبر عن رأيه أنه ليس بلازم للأمة الأخذُ به، بل من شاء أخذ به ومن شاء تركه، بخلاف سنَّة رسولِ الله ﷺ فإنه لا يسع أحدًا تركُها
(١) "بن عبد الله بن الزبير" ساقط من ع والنسخ المطبوعة. وفي مصادر التخريج كما أثبت من غيرها.
(٢) ت: "وقد ذكر".
(٣) ع: "فيها".
(٤) في النسخ المطبوعة و"الجامع" و"الإحكام": "ولنائي الدار"، وفي "الصادع" كما أثبت من النسخ.
(٥) رواه الحافظ يعقوب بن شيبة كما في "جامع بيان العلم" لابن عبد البر (١٤٢٧)، وعنه في "الإحكام" لابن حزم (٦/ ٤٩ - ٥٠) و"الصادع" (٣٠٩). والظاهر أن يحيى بن عباد لم يسمع من جدّه. وهذا الاختلاف بينهما ثابت بسياق آخر عند البخاري (١٥٦٣، ١٥٦٩) ومسلم (١٢٢٣).