ذلك شيئًا. فقال: «أرضعيه تحرُمي عليه، ويذهبِ الذي في نفس أبي حذيفة». فرجعت، فقالت: إني قد أرضعته، فذهب الذي في نفس أبي حذيفة. ذكره مسلم١.
فأخذ٢ طائفة من السلف بهذه الفتوى، منهم عائشة. ولم يأخذ بها أكثر أهل العلم، وقدَّموا عليها أحاديث توقيت الرضاع المحرَّم بما قبل الفطام وبالصغر وبالحولين، لوجوه:
أحدها: كثرتها وانفراد حديث سالم.
الثاني: أن جميع أزواج النبي ﷺ خلا عائشة في شِقِّ المنع.
الثالث: أنه أحوط.
الرابع: أن رضاع الكبير لا يُنبت لحمًا ولا يُنْشِز٣ عظمًا، فلا تحصل به البعضية التي هي سبب التحريم.
الخامس: أنه يحتمل أن هذا كان مختصًّا بسالم وحده، ولهذا لم يجئ ذلك إلا في قصته.
السادس: أن رسول الله ﷺ دخل على عائشة، وعندها رجل قاعد، فاشتدَّ ذلك عليه وغضب، فقالت: إنه أخي من الرضاعة. فقال: «انظرن مَن
(١) برقم (١٤٥٣) من حديث عائشة ﵂.
(٢) في النسخ المطبوعة: «فأخذت».
(٣) في النسخ الخطية والمطبوعة: «ينشر»، وهو تصحيف ما أثبت. وفي الكلام إشارة إلى حديث ابن مسعود: «لا يحرِّم من الرضاع إلا ما أنبت اللحمَ وأنشزَ العظمَ»، رواه أحمد (٤١١٤) وغيره.
إخوانكن من الرضاعة، فإنما الرضاعة من المجاعة». متفق عليه، واللفظ لمسلم١.
وفي قصة سالم مسلك آخر، وهو أن هذا كان موضع حاجة، فإن سالمًا كان قد تبنَّاه أبو حذيفة وربَّاه، ولم يكن له منه٢ ومن الدخول على أهله بدٌّ. فإذا دعت الحاجة إلى مثل ذلك، فالقولُ به مما يسوغ فيه الاجتهاد. ولعل هذا المسلك أقوى المسالك، وإليه كان شيخنا يجنح٣. والله أعلم.
وسئل ﷺ أن ينكح ابنة حمزة، فقال: «لا تحل لي، إنها ابنة أخي من الرضاعة. ويحرم من الرضاعة ما يحرم من النسب». ذكره مسلم٤.
وسأله ﷺ عقبة بن الحارث فقال: تزوجت امرأةً، فجاءت أمة سوداء فقالت: أرضعتكما، وهي كاذبة. فأعرض عنه. فقال: إنها كاذبة. فقال: «كيف بها، وقد زعمت أنها٥ أرضعتكما؟ دعها عنك». ففارَقها، ونكحت٦ غيرَه. ذكره مسلم٧. وللدارقطني٨: «دعها عنك، فلا خير لك فيها».
(١) البخاري (٢٦٤٧) ومسلم (١٤٥٥).
(٢) في المطبوع: «منه بدٌّ» بزيادة «بُدّ»!
(٣) انظر: «مجموع الفتاوى» (٣٤/ ٦٠) و«زاد المعاد» (٥/ ٥٢٧) وقد بسط المصنف فيه الكلام على المسألة.
(٤) من حديث علي (١٤٤٦) وأم سلمة (١٤٤٨). وانظر الحديث المتفق عليه عن ابن عباس. رواه البخاري (٥١٠٠) ومسلم (١٤٤٧).