ثابت: أفي كتاب الله ثلثُ ما بقي١؟ فقال: أنا أقول برأيي، وتقول برأيك.
وعن ابن عمر أنه سئل عن شيء فعَلَه: أرأيتَ رسولَ الله ﷺ فعَل هذا، أو شيءٌ رأيتَه؟ قال: بل شيءٌ رأيتُه٢.
وعن أبي هريرة أنه كان إذا قال في شيء برأيه قال: هذه من كيسي. ذكره ابنُ وهب، عن سليمان بن بلال، عن كَثير بن زيد، عن وليد بن رَباح، عن أبي هريرة٣.
وكان أبو الدرداء يقول: إيّاكم وفراسةَ العلماء. احذروا أن يشهدوا عليكم شهادةً تكُبُّكم على وجوهكم في النار. فوالله، إنَّه لَلحقُّ يقذفه الله [٣٥/أ] في قلوبهم٤.
(١) يعني: للأمّ في مسألتي العمريتين كما سيأتي.
(٢) علّقه ابن عبد البر في "جامع بيان العلم وفضله" (١٦٠٦).
(٣) علّقه ابن عبد البر في "الجامع" (١٦٠٧) عن ابن وهب به، وسنده يحتمل التحسين، خاصة أنه موقوف، وورد ما يشهد لأصل معناه.
(٤) علّقه ابن عبد البر في "الجامع" (١٦٠٩). وقد رواه العسكري في "الأمثال" من طريق ابن المبارك، عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، عن عمير بن هانئ، عن أبي الدرداء بنحوه (كما في "المقاصد الحسنة" للسخاوي ص ٥٩)، ولا يصح البتة، بل هو منكر جدّا بهذا الإسناد. والأشبه بالصواب ما رواه اللالكائي في "كرامات الأولياء" (١٠١) من طريق غيلان الفزاري، عن أبي قتيلة أنه كان يقول: اتقوا فراسة العلماء؛ فإنه حقٌّ يجعله الله تعالى على أبصارهم، وفي قلوبهم. وذكر أبو الدرداء ــ يومًا ــ الفتنة ... (فذكر قصّةً). والظاهر أن الأمر التبس على بعض الرواة، فلم يُميِّز بين الخبرين، بل لفّق، ودخل عليه خبر في آخر، والله أعلم. وغيلان هو ابن معشر المقرائي، وأبو قتيلة هو مرثد بن وداعة.
قلتُ: وأصل هذا في الترمذي١ مرفوعًا: "اتقوا فراسةَ المؤمن، فإنه ينظر بنور الله"، ثم قرأ ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾[الحجر: ٧٥].
وقال أبو عمر٢: ثنا عبد الوارث بن سفيان، ثنا قاسم بن أصبَغ، ثنا محمد بن عبد السلام الخُشَني، ثنا إبراهيم بن أبي الفيّاض البَرْقي الشيخ الصالح، ثنا سليمان بن بَزِيع الإسكندراني، ثنا مالك بن أنس، عن يحيى بن
(١) في "الجامع" (٣١٢٧) من حديث مصعب بن سلام، عن عمرو بن قيس، عن عطية، عن أبي سعيد مرفوعا، وقال: هذا حديثٌ غريبٌ اهـ. وعطية شيعي ضعيف مدلّس، لكن الآفة من مصعب بن سلام، وهو ضعيف واهٍ، يقلب الحديث، وقد خلّط في هذا الحديث، ولا عبرة بمن تابعه من الضعفاء على روايته من هذا الوجه؛ فإن المحفوظ ما رواه العقيلي في "الضعفاء" (٥/ ٣٧٦) من طريق ابن وهب، عن سفيان، عن عمرو بن قيس الملائي قال: كان يُقال: اتقوا فراسة المؤمن ... قال العقيلي: وهذا أولى اهـ. وجزم الخطيب أيضًا أنه الصواب، وليُنظر ما دبّجه يراعُه في "التاريخ" (٤/ ٣١٣). وبالغ ابن الجوزي؛ فساقَه في "الموضوعات"، والصحيح أنه منكر ــ على كثرة طرقه ــ، لكنه لا يبلغ حدّ الوضع.
(٢) في "جامع بيان العلم" (١٦١١، ١٦١٢) وعنه ابن حزم في "الإحكام" (٦/ ٢٧). وأخرجه الدارقطني في "غرائب مالك"، والخطيب في "الرواة عن مالك"، وفي "الفقيه والمتفقه" (١/ ٤٧٦، ٢/ ٣٩١)؛ من طرق عن ابن أبي الفياض به، وضعّفوه كلّهم. ويحسن النظر في "جامع بيان العلم" (١٦١٢)، و"لسان الميزان" لابن حجر (٤/ ١٣٣)، و"سلسلة الأحاديث الضعيفة" للألباني (٤٨٥٤). ولا ريب في نكارته وغرابته الشديدة من طريق مالك. أما الرواية التي صحّحها السيوطي في "الجامع الكبير" مما خرّجه الطبراني في "الأوسط" (١٦١٨) من طريق الوليد بن صالح، عن محمد ابن الحنفية، عن أبيه علي ﵁؛ فلا تصح البتة، بل هي منكرةٌ، تفرّد بها الوليد هذا، وهو مجهول.