إعلام الموقعين

قلوب العباد، فرأى قلبَ محمد ﷺ خيرَ قلوب [٣٥/ب] العباد، فاختاره لرسالته. ثم اطلع في قلوب العباد بعده، فرأى قلوبَ أصحابه١ خيرَ قلوب العباد، فاختارهم لصحبته. فما رآه المؤمنون حسنًا فهو عند الله حسن، وما رآه المؤمنون قبيحًا فهو عند الله قبيح٢.

وقال ابن وهب عن ابن لهيعة: إنَّ عمر بن عبد العزيز استعمل عروةَ بن محمد السَّعْدي على اليمن، وكان من صالحي٣ عُمَّال عمر، وإنه كتب إلى عمر يسأله عن شيء من أمر القضاء، فكتب إليه عمر: لَعَمْري ما أنا بالنشيط على الفتيا ما وجدتُ منها بدًّا، وما جعلتُك إلا لتكفيني، وقد حمَّلتُك ذلك، فاقضِ فيه برأيك٤.

  1. (١) ت: "الصحابة".
  2. (٢) سيأتي الأثر مرة أخرى برواية أبي داود الطيالسي.
  3. (٣) ح: "صالح".
  4. (٤) علّقه ابن عبد البر في "الجامع" (١٦١٧) عن ابن وهب، ووصله ابن عساكر في "التاريخ" (٤٠/ ٢٩١) من طريق ابن وهب به، لكن ساقه مختصرًا ليس فيه محلّ الشاهد. وروى أبو عمر محمد بن يوسف الكندي في كتاب "القضاة" (ص ٢٤٢) من طريق ابن وهب، عن ابن لهيعة، عن توبة بن نمر، قصةً شبيهةً بهذه، وقعت لقاضي مصر عياض بن عبيد الله مع عمر بن عبد العزيز.
138

وقال محمد بن سعد١: أخبرني رَوح٢ بن عُبادة، ثنا حمَّاد بن سلَمة، عن الجُرَيري أنَّ أبا سَلَمة بن عبد الرحمن قال للحسن: أرأيتَ ما تُفتي به الناسَ، أشيء سمعتَه أم برأيك؟ فقال الحسن: لا والله ما كلُّ ما نفتي به سمعناه، ولكن رأيُنا لهم خيرٌ من رأيهم لأنفسهم.

وقال محمد بن الحسن: من كان عالمًا بالكتاب والسنّة، وبقول أصحاب رسول الله ﷺ، وبما استحسنَ فقهاءُ المسلمين= وَسِعَه أن يجتهد رأيَه فيما ابتُلِيَ٣ به، ويَقضِيَ به، ويُمضِيَه في صلاته وصيامه وحجِّه وجميع ما أُمِر به ونُهِي عنه. فإذا اجتهَدَ، ونظَر، وقاسَ على ما أشبَه، ولم يألُ= وَسِعَه العملُ بذلك، وإن أخطأ الذي ينبغي أن يقول به٤.

فصل

ولا تعارُضَ بحمد الله بين هذه الآثار عن السادة الأخيار، بل كلُّها حقٌّ، وكلٌّ منها له وجهٌ. وهذا إنَّما يتبيَّن بالفرق بين الرأي الباطل الذي ليس من

  1. (١) في "الطبقات" (٩/ ١٦٦). وخُولِف حماد بن سلمة في سنده ولفظه، فليُنظر: "المسند" (المعروف بالسنن) للدارمي (١٦٥)، و"الإحكام" لابن حزم (٦/ ٥٤)، و"ذم الكلام" لأبي إسماعيل الهروي (٣٢٨)، ويحسن التأمل في "التاريخ" لابن عساكر (٢٩/ ٣٠٥ - ٣٠٦).
  2. (٢) ت: "عن روح".
  3. (٣) في المطبوع: "يُبتلى"، وفي "الجامع" كما أثبت من النسخ.
  4. (٤) علّقه عنه ابن عبد البر في "جامع بيان العلم" (١٦٢٢).
139

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي