وقد استدل به من يرى أن التعزير ليس بواجب، وأن للإمام إسقاطه. ولا دليل فيه، فتأمله.
وخرجت امرأة تريد الصلاة، فتجلَّلَها رجل، فقضى حاجته منها، فصاحت وفرَّ. ومرَّ عليها غيرُه، فأخذوه، فظنت أنه هو، وقالت: هذا الذي فعل بي. فأتوا به النبيَّ ﷺ، فأمَر برجمه. فقام صاحبها الذي وقع عليها، فقال: أنا صاحبها. فقال لها النبيُّ ﷺ: اذهبي، فقد غفر الله لك. وقال للرجل قولًا حسنًا. فقالوا: ألا ترجُم صاحبها؟ فقال: «لا، لقد تاب توبةً لو تابها أهلُ المدينة لَقُبِل منهم». ذكره أحمد وأهل السنن كلهم٢. ولا فتوى ولا حكم أحسن من هذا.
فإن قيل: كيف أمر٣ برجم البريء؟ قيل: لو أنكر لم يرجمه، ولكن لما أُخِذَ، وقالت: هو هذا، ولم ينكِر، ولم يحتجَّ عن نفسه، فاتفق مجيءُ القوم به في صورة المريب، وقولُ المرأة: هذا هو، وسكوتُه سكوتَ المريب. وهذه
(١) البخاري (٤٦٨٧) ومسلم (٢٧٦٣) من حديث ابن مسعود.
(٢) رواه أحمد (٢٧٢٤٠) من حديث وائل بن حجر الحضرمي، وإسناده صحيح. وعند البيهقي (٨/ ٢٨٤) من طريق أسباط بن نصر ــ وفيه لين ــ بذكر العفو وعدم الرجم. ورواه أبو داود (٤٣٧٩) والترمذي (١٤٥٤) ــ من طريق محمد بن يوسف الفريابي، وهو ثقة ــ بذكر الرجم. قال الذهبي في «المهذب» (٧/ ٣٤٢٣) عن طريق عدم الرجم: منكر. وقال المؤلف في «الطرق الحكمية» (٥٣): إسناده على شرط مسلم، وقع في متنه اضطراب. وصحح الترمذي رواية الرجم، وهو يوافق الروايات الأخر.
(٣) في المطبوع: «أمرهم».
القرائن أقوى من قرائن حدِّ المرأة بلعان الرجل وسكوتها. فتأمله.
وللَّوث تأثير في الدماء والحدود والأموال. أما الدماء ففي القسامة. وأما الحدود ففي اللعان. وأما الأموال ففي قصة الوصية في السفر، فإن الله سبحانه حكم بأنه إن اطلع على أن الشاهدين والوصيين خانا١ وغدرا أن يحلف اثنان من الورثة على استحقاقهما، ويُقضَى لهم. وهذا هو الحكم الذي لا حكم غيره، فإن اللوث إذا أثَّر في إراقة الدماء وإزهاق النفوس بالحدِّ، فلأن يَعمَل٢ في المال بطريق الأولى والأحرى.
وقد حكم به نبيُّ الله سليمان بن داود في النسب، مع اعتراف [٢٥١/أ] المرأة أنه ليس بولدها، بل هو ولد الأخرى، فقال لها: «هو ابنك»٣. ومن تراجم النسائي٤ على قصته: «التوسعة للحاكم أن يقول للشيء الذي لا يفعله: أفعلُ، ليستبين به الحق». ثم ترجم عليه ترجمة أخرى، فقال: «الحكم بخلاف ما يعترف به المحكومُ عليه٥، إذا تبيَّن للحاكم أن الحقَّ غيرُ ما اعترف به». وهذا هو العلم استنباطًا ودليلًا. ثم ترجم عليه ترجمة ثالثة، فقال: «نقضُ الحاكم ما حكم به مَن هو مثلُه أو أجلُّ منه».
(١) في النسخ المطبوعة: «ظلما».
(٢) زيد في النسخ المطبوعة بعده: «به»، إذ قرأ بعضهم: «يُعمَل» مبنيًّا للمجهول.
(٣) سبق تخريجه.
(٤) في «السنن الكبرى» (٥/ ٤٠٩، ٤١٠) وقد سبقت الترجمتان الأوليان.
(٥) كذا في النسخ الخطية والمطبوعة هنا، وفي «الطرق الحكمية» (١/ ٩) و«عُدَّة الصابرين» (ص ٥٢١). وفي «السنن»: «المحكوم له»، وكذا تقدَّم على الصواب في أول الكتاب.