القرائن أقوى من قرائن حدِّ المرأة بلعان الرجل وسكوتها. فتأمله.
وللَّوث تأثير في الدماء والحدود والأموال. أما الدماء ففي القسامة. وأما الحدود ففي اللعان. وأما الأموال ففي قصة الوصية في السفر، فإن الله سبحانه حكم بأنه إن اطلع على أن الشاهدين والوصيين خانا١ وغدرا أن يحلف اثنان من الورثة على استحقاقهما، ويُقضَى لهم. وهذا هو الحكم الذي لا حكم غيره، فإن اللوث إذا أثَّر في إراقة الدماء وإزهاق النفوس بالحدِّ، فلأن يَعمَل٢ في المال بطريق الأولى والأحرى.
وقد حكم به نبيُّ الله سليمان بن داود في النسب، مع اعتراف [٢٥١/أ] المرأة أنه ليس بولدها، بل هو ولد الأخرى، فقال لها: «هو ابنك»٣. ومن تراجم النسائي٤ على قصته: «التوسعة للحاكم أن يقول للشيء الذي لا يفعله: أفعلُ، ليستبين به الحق». ثم ترجم عليه ترجمة أخرى، فقال: «الحكم بخلاف ما يعترف به المحكومُ عليه٥، إذا تبيَّن للحاكم أن الحقَّ غيرُ ما اعترف به». وهذا هو العلم استنباطًا ودليلًا. ثم ترجم عليه ترجمة ثالثة، فقال: «نقضُ الحاكم ما حكم به مَن هو مثلُه أو أجلُّ منه».
(١) في النسخ المطبوعة: «ظلما».
(٢) زيد في النسخ المطبوعة بعده: «به»، إذ قرأ بعضهم: «يُعمَل» مبنيًّا للمجهول.
(٣) سبق تخريجه.
(٤) في «السنن الكبرى» (٥/ ٤٠٩، ٤١٠) وقد سبقت الترجمتان الأوليان.
(٥) كذا في النسخ الخطية والمطبوعة هنا، وفي «الطرق الحكمية» (١/ ٩) و«عُدَّة الصابرين» (ص ٥٢١). وفي «السنن»: «المحكوم له»، وكذا تقدَّم على الصواب في أول الكتاب.
قلت: وفيه ردٌّ لقول من قال: يكون ابنهما١ إجراءً للنسب مجرى المال. وفيه أنَّ حكمَ الحاكم لا يزيل الشيء عن صفته في الباطن. وفيه نوع لطيف عجيب شريف من أنواع العلم النافع، وهو الاستدلال بقدر الله على شرعه. فإن سليمان ﷺ استدلَّ بما قدَّره الله وخلَقه في قلب الصغرى من الرحمة والشفقة بحيث أبت أن يُشَقَّ الولد، على أنه ابنها، وقوَّى هذا الاستدلال رِضا الأخرى بأن يُشَقَّ الولد، وقالت: نعم، شُقَّه. وهذا قول لا يصدر من أم، وإنما يصدر من حاسد يريد أن يتأسَّى بصاحب النعمة في زوالها عنه كما زالت عنه هو. ولا أحسنَ من هذا الحكم وهذا الفهم! وإذا لم يكن مثلُ هذا في الحاكم أضاع حقوق الناس. وهذه الشريعة الكاملة طافحة بذلك.
وجرت في ذلك مناظرة بين أبي الوفاء ابن عقيل وبين بعض الفقهاء٢، فقال ابن عقيل: العمل بالسياسة هو الحزم، ولا يخلو منه إمام. وقال الآخر: لا سياسة إلا ما وافق الشرع. فقال ابن عقيل: السياسة ما كان من الأفعال٣ يكون الناس معه أقرب إلى الصلاح وأبعد عن الفساد، وإن لم يشرعه الرسول ﷺ، ولا نزل به وحي. فإن أردت بقولك: «لا سياسة إلا ما وافق الشرع» أي لم يخالف ما نطق به الشرع فصحيح. وإن أردتَ ما نطق به الشرع٤، فغلطٌ
(١) في النسخ المطبوعة: «بينهما».
(٢) نقلها المصنف في «الطرق الحكمية» (١/ ٢٨) من كتاب «الفنون» لابن عقيل. ونقلها أيضًا في «بدائع الفوائد» (٣/ ١٠٨٧).
(٣) بعده في النسخ المطبوعة زيادة: «بحيث».
(٤) يعني: «لا سياسة إلا ما نطق به الشرع»، كما في «الطرق الحكمية».