وتغليطٌ للصحابة. فقد جرى من الخلفاء الراشدين من القتل والمَثْل١ ما لا يجحده عالم بالسِّير٢. ولو لم يكن إلا تحريق المصاحف٣ كان رأيًا اعتمدوا فيه على مصلحة. وكذلك تحريقُ علي الزنادقةَ في الأخاديد٤، ونفيُ عمر نصرَ بن حجَّاج٥.
قلت٦: هذا موضعٌ مزِلَّة أقدام، ومضِلَّة أفهام، وهو مقام ضَنْكٌ ومعترك صعب، فرَّط فيه طائفة، فعطَّلوا الحدود، وضيَّعوا الحقوق، وجرَّؤوا أهل الفجور على الفساد، وجعلوا الشريعةَ قاصرةً لا تقوم بمصالح العباد. وسدُّوا على أنفسهم طرقًا صحيحةً من الطرق التي يُعرَف بها المُحِقُّ من المبطل، وعطَّلوها مع علمهم وعلمِ الناس٧ أنها أدلَّة حقٍّ، ظنًّا منهم منافاتها لقواعد الشرع. والذي أوجبَ لهم ذلك نوعُ تقصيرٍ في معرفة حقيقة الشريعة والتطبيق بين الواقع وبينها. فلما رأى ولاةُ الأمر ذلك وأن الناس لا يستقيم أمرهم إلا بشيء زائد على ما فهمه هؤلاء من الشريعة، فأحدثوا٨
(١) كذا في «بدائع الفوائد». وفي «الطرق الحكمية»: «التمثيل». والمَثْل هو التمثيل.
(٢) كذا في النسخ الخطية والمطبوعة. وفي «البدائع» و«الطرق الحكمية»: «بالسنن».
(٣) رواه البخاري (٤٩٨٧) من حديث أنس.
(٤) رواه البخاري (٣٠١٧) من حديث ابن عباس.
(٥) تقدم تخريجه.
(٦) كلام ابن عقيل. وتعقيب المؤلف عليه إلى آخر الأمثلة ورد بيسير من الاختلاف في اللفظ في «بدائع الفوائد» (١٠٨٧ - ١٠٩٢) و«الطرق الحكمية» (١/ ٢٩ - ٤٨).
(٧) بعده في النسخ المطبوعة زيادة: «بها».
(٨) كذا في النسخ الخطية والمطبوعة بالفاء، وهو جواب «لما».
لهم قوانين سياسية ينتظم بها مصالح العالم. فتولَّد من تقصير أولئك في الشريعة، وإحداثِ هؤلاء ما أحدثوه من أوضاعِ سياستهم= شرٌّ طويلٌ، وفسادٌ عريضٌ؛ وتفاقم الأمر، وتعذَّر استدراكه. [٢٥١/ب] وأفرط فيه طائفة أخرى، فسوَّغت منه ما يناقِضُ حكَم الله ورسوله.
وكلا الطائفتين١ أُتِيَتْ من قِبل تقصيرها في معرفة ما بعث الله به رسوله. فإن الله أرسل رسله وأنزل كتبه، ليقوم الناس بالقسط، وهو العدل٢، قامت به السموات والأرض. فإذا ظهرت أمارات الحق، وقامت أدلة العقل، وأسفر صبحه بأيِّ طريق كان؛ فثمَّ٣ شرعُ الله ودينُه ورضاه وأمرُه. والله تعالى لم يحصر طرق العدل وأدلته وأماراته في نوع واحد، وأبطل٤ غيرَه من الطرق التي هي أقوى منه وأدلُّ وأظهر، بل بيَّن بما شرعه من الطرق أن مقصوده إقامة العدل والحق٥، وقيام الناس بالقسط، فأيُّ طريق استُخْرِج بها الحقُّ ومعرفةُ العدل وجب الحكم بموجبها ومقتضاها. والطرق أسباب ووسائل لا تراد لذواتها، وإنما المراد غاياتها التي هي المقاصد؛ ولكن نبَّه بما شرعه من الطرق على أسبابها وأمثالها. ولن تجد
(١) كذا وقع في النسخ الخطية والمطبوعة و«البدائع» و«الطرق الحكمية» موضعَ «كلتا الطائفتين». وانظر تعليقي على «طريق الهجرتين» (٢/ ٥٠٥).
(٢) في النسخ المطبوعة: «العدل الذي»، كما في «البدائع» و«الطرق الحكمية».
(٣) ب: «فذلك من» موضع «فثم»، وكذا في المطبوع.
(٤) يعني: ولم يبطل. وفي «البدائع»: «ونفى». وفي ب: «ويُبطِلْ». ولعله إصلاح من بعض الناسخين، وكذا في المطبوع.